أصل سكان الجزائر/ أحمد توفيق المدني

كتاب الجزائر لأحمد توفيق المدني (ص5 – 9) طبع سنة 1931.
أكدت لنا الآثار القديمة التي اكتُشفت في بلاد الجزائر، أن هذه الأرض كانت مأهولة في العصر الحجري، بأقوام هم غير العنصر البربري؛ كانوا يسكنون الكهوف والمغاور؛ وكانت حضارتهم الحجرية دون حضارة معاصريهم في بقية البلاد. ويقول كثير من العلماء أن البرابرة الشُقر الذين نجدهم في عدة نواح من البلاد إنما هم أعقاب هذا العنصر الذي كان أول سلالة بشرية سكنت هذه الديار. ومن هؤلاء العلماء الأستاذ استيفان قزال.
فالعنصر البربري الذي استوطن كامل شمال افريقيا ، منذ عصور قديمة جدا ، لم يستطع البحث اكتشاف مجاهلها ، كان هو العنصر الذي عرف شمال افريقيا، لما عرف التاريخ هذا الشمال . فالبربر بصفة تاريخية هم أول سكان هذه الاقطار
ما هو أصل البربر ومن أين قدموا ؟ وما هي قبائلهم واقسامهم ؟ ذلك ما سأحدثك عنه بتفصيل في القسم الثالث من هذا الكتاب.
إنما حسبك ان تعرف الآن، لتستطيع السير معني اثناء هذه الجولة التاريخية ؛ ان عناصر البرير قدمت كلها مهاجرة من آسيا مخترقة مصر ولوبيا، وانها من أرومة مازيغ بن كنعان بن سام بن نوح ، فالبربر أبناء عم العرب والقنيقيين.
وهم قوم أشراف؛ يدعون أنفسهم «الأمازيغ» اي السادة الاحرار، لا يتحملون الخضوع لسلطان؛ لا يرضخون الا للقوة، وعلى مضض يخالطون ولا يختلطون.
ولم تكن لهم في القديم رابطة جامعة أو وحدة: بل كان نظامهم الوحيد هو نظام العائلة، ونظام القبيلة. ولربما كان للأم عندهم المرتبة السامية والحكم المطلق، كما هو نظام قبائل الطوارق اليوم في بلاد الصحراء . حيث لا يعترف بسلطة الاب.
وكانت كل قبيلة منهم تعيش مستقلة في قريتها؛ وتعتبر القبيلة المجاورة عدوة لها. وما كان للقبائل دين عمومي؛ إنما كانوا يشعرون الشعور البشري بوجوب العبادة؛ فكانت العائلة تتخذ لنفسها ربا يحميها من الاخطار، وكثيرا ما كان الحامي قطا، أو شجرة او نضوة حصان. وللقرية كذلك رب يحميها، وذلك الرب عندهم يكون حرشا، او غابة، أو نبع ماء. وكانوا بصفة عامة يعبدون الشمس والقمر والكواكب.
كانوا يرعون الماشية، ويلبسون البرانس من صوفها أو جلودها، ويأكلون لحومها مع ما تنبت لهم الأرض بعد عمل بسيط من فول وقمح وزيتون وتين.
وكانت في البلاد جماعات كثيرة من الحيوانات الضخمة او الكاسرة : كالفيل، والاسد، والنمر .
تلك كانت حالة الجزائر حوالي سنة ١٠٠٠ قبل ميلاد المسيح.
في تلك الاثناء كان الكنعانيون سكان فنيقيا، وهم أبناء عم البربر والعرب؛ قد بلغوا في المدنية شوطا بعيدا. وكانت لغتهم عربية محرفة قليلا عن العربية الفصحى؛ تشبه كثيرا العامية المستعملة في بلادنا اليوم. وقد احتكروا تجارة الدنيا المعروفة اذ ذاك؛ وأصبحت سفنهم التجارية تعمر البحر المتوسط كله، تنقل الى سواحله مواد التجارة ومبادي المدنية وكانوا قد أتقنوا الصناعة اتقانا كبيرا، واخترعوا الأحرف الهجائية حسب النطق، بعد ما كانت الكتابة هيروغليفية، أي تصويرية.
وكان هؤلاء البحارة المغامرون أول من عرف بلاد الجزائر وسائر شمال افريقيا، و ربطها ببقية العالم. وأصبحت بواخرهم تروح وتغدو على سواحلها، ثم أسسوا بها مراكز للتجارة أهمها على سواحل الجزائر: جيجل ، وهبو (عنابة)، وما عتمت هذه المراكز أن صارت مدنا جسيمة؛ واختلط فيها الفنيقيون بالبربر اختلاطا كبيرا. فكانت المدنية الفنيقية الكنعانية هي أول مدنية طبعت بلاد الجزائر بطابعها، وصادفت قلبا خاليا فتمكنت لأنها مدنية دخلت على طريق السلم والمبادلة الحرة، و لم تدخل على طريق السيف والنار.
وقد كان الفنيقيون كالبربر يعبدون الشمس تحت اسم – بعل – ويعبدون القمر تحت اسم – تأنيث –
و في القرن الخامس قبل الميلاد كان اختلاطهم بالبربر عظيما وكان نفوذهم قويا.







