الشيخ عبد اللطيف سلطاني

بقلم الأستاذ محمد الحسن فضلاء، كتاب من أعلام الإصلاح في الجزائر ص251 – 256.

والشيخ عبد اللطيف معلم ومربي وعالم من العلماء المسلمين، وأحد أركان الإصلاح الديني والاجتماعي، وعضو بارز في حياة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقد تولى أمانة مالها في عهدها الثاني والأخير، هو أستاذ من أساتذة (معهد ابن باديس) يقسنطينة، ومدير مركز جمعية العلماء في السنوات الأخيرة ، شديد التمسك بدين الله إلى درجة التصلب فيه لا يخشى في الله لومة لائم.

 مولده وتعلمه:

ولد في 8 يونيو 1902 بمدينة القنطرة في ولاية بسكرة حاليا، وعندما بلغ سن التمييز بدأ في تعلم القرآن الكريم على عدة مشائخ من بينهم الشيخ أحمد ابن العبداوي في القنطرة، ثم انتقل إلى بلدة ( مركونة ) من ولاية باتنة أحد أقاربه، فتعلم فيها على الشيخ المنور اسطايفي لكن لم تطل إقامته مع هنا، ومن هنا توجه إلى ( بلدة سيدي عقبة ) فقضى فيها سنتين تحت إشراف الشيخ الهاشمي بن المبارك، وختم تطوافه ( بزاوية الشيخ علي بن عمر ) في طولقة، وفيها أجاد حفظ القرآن رسما وقراءة وتجويدا ثم عكف على الدروس العلمية في نحو وصرف وفقه وعقائد على الشيخ عمر بن الشيخ علي، وعاد إلى مسقط رأسه ونفسه تطمح إلى مواصلة الدراسة.

وفي سنة 1922 هاجر إلى تونس وانخرط في جامع الزيتونة الذي قضى فيه سبع سنوات تخرج بعدها ونال ( شهادة التطويع ).

في سنة 1929 عاد إلى الجزائر، فما من عائد من تونس من طلبة الجزائر إلا وعرف أن البداية الأولى هي مدينة قسنطينة، وأن الشيخ عبد الحميد بن باديس هو الحارس الأمين على الثقافة العربية والإسلام في الجزائر، ولابد من الاتفاق معه على طريقة العمل في خدمة الأمة الجزائرية، ونشر اللغة العربية بين أبنائها والعودة بهم إلى منابع الإسلام الصافية.

نشاطه وعمله في حقل التعليم:

وهنا أفسح المجال لمذكراته الشخصية التي كتبها بقلمه وفيها يقول: انتظمت في سلك التعليم الحر سنة 1931 فعلمت في بلدة القرارم بتعيين من الشيخ عبد الحميد بن باديس، فمكثت فيها مدرسا وخطيبا في جامعها سنتين.

وفي سنة 1933 عدت إلى القنطرة بلدتي، فكلفني الشيخ عبد الحميد بن باديس بجولة في الصحراء لفائدة الجمعية وصحفها واعتمدني للقيام بها في بسكرة وطولقة، وسيدي عقبة، ووادي ريغ وتكرت، وذلك للدعوة لجمعية العلماء ولنشر جريدتها في ذلك الوقت ( الصراط السوي ) و ( مجلة الشهاب ) فعملت بما عهد إلي به، ولم تطل المدة بسبب دخول شهر رمضان المبارك. فرجعت إلى القنطرة لقضائه فيها، وفي أثناء شهر رمضان عطلت السلطات الفرنسية (جريدة الصراط ) فبقيت في القنطرة، وعملت في مدرستها (الهدى) وشرعت في توسيعها ..

وفي سنة 1937 ألح علي جماعة بلدة القرارم في العودة إليهم للتدريس والإمامة ، فأجبتهم إلى رغبتهم وعدت إلى القرارم ، فأنشأت فيها مدرسة على النمط العصري وتركت التعليم المسجدي واشتغلت بالمدرسة إلى نهاية السنة الدراسية 1943 حيث عدت مرة أخرى إلى القنطرة نهائيا ، فاشتغلت بالتعليم في مدرسة الهدى، وأدخلت في التعليم تعليم البنت مع الاشتغال بتوسيعها بواسطة شباب القنطرة الناشط فتم ذلك في سنة 1945، وفتحت رسميا في حفلة رائعة في يناير 1947 بحضور رئيس جمعية العلماء الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وعلماء تلك الناحية: بسكرة، وباتنة، عين التوتة، ومنهم الشاعر الكبير المرحوم الشيخ محمد العيد، وحيّ القنطرة، ومدرستها بقصيدة تحفة في بابها من شعره البليغ ومطلعها:

فتح جديد قد بدا … من فتح مدرسة الهدى

وهي تشمل على 51 بيتا، وقد نالت إعجاب من سمعها أو قرأها وجاء فيها :

نحن الجبال بنو الجبا … ل صدى الجبال بنا حدا

من سامنا بإذاية  … فعلى الجبال قد اعتدى

ومن استعاذ بنا استها … ن بها فحل به الردى

وفي سنة 1946 انتخبت عضوا إداريا في المجلس الإداري لجمعية العلماء بعد أن كنت عضوا عاملا فيها من يوم تأسيسها.

ولما أنشأت جمعية العلماء ( معهد ابن باديس ) بقسنطينة سنة 1947 طلب مني الشيخ البشير الإبراهيمي أن انخرط في سلك أساتذته، فالتحقت به في شهر أكتوبر 1948 أول السنة الدراسية.

وفي سنة 1950 عينني الشيخ البشير ناظرا فيه مدة سنة لأساعد مديره الشيخ العربي التبسي على أعماله.

وفي سبتمبر 1951 وقع تجديد انتخاب المجلس الإداري لجمعية العلماء. فانتخبني أعضاء المجلس أمينا عاما لماليته، ومديرا لمركز الجمعية في الجزائر.

وفي المركز موظفون يعملون في ( لجنة التعليم ) التابعة للجمعية، وآخرون يعملون في ( جريدة البصائر ) وآخرون في ( إطار الجمعية ) فانتقلت من قسنطينة إلى العاصمة، تفرغت لكليتي وفي جميع الأوقات إلى أعمال الجمعية …

مع الثورة التحريرية:

ولما قامت الثورة التحريرية في 5 ربيع الأول 1374 هـ الموافق لي 1 نوفمبر 1954م قل نشاط الجمعية، إذ انصرفت جهود الأمة الجزائرية بمجموعها – ومنها الجمعية – إلى تحرير الوطن من الاستعمار الفرنسي الجاثم على بلادنا منذ قرن وثلاثين سنة، وضعف عمل الجمعية في ميدانها لتفرق جميع أعضائها في جميع الأصناف والطبقات ومعلميها للعمل من أجل إنجاح الثورة، ولظروف الحرب الخاصة بها.

وألقي القبض على الشيخ عبد اللطيف ست مرات، وفي كل مرة منها يلاقي ألوانا مختلفة من الإهانات والتشديدات والتضييقات والتهديدات وذاق من مرارة الزنزنات المنفردة الضيقة، والمكدسة القذرة، بحيث مكث في إحداها خمسة عشر يوما والأخرى تسعة أيام، ولكن الله حفظه مما هو أعظم، فنجاه من مكرهم وشرهم واعتدائهم.

تعرضه للاعتقال:

وتعرض في أثناء الثورة التحريرية لعدة اعتقالات في سنوات : 57 – 58 – 1959 فذاق فيها مرارة السجن والابتلاء كما أسلفت، وعندما تسور المجرمون سفّاكوا الدماء من ( اليد الحمراء) منزل الشيخ العربي التبسي في (بلكور) يوم 6 رمضان 1376 هـ الموافق لـ : 4 أبريل 1957 قبيل منتصف الليل سئل عن الشيخ عبد اللطيف سلطاني. وكان الشيخ العربي مريضا طريح الفراش، فأقيم من مطرحه وطلبوا منه، أن يدلهم على مسكن الشيخ عبد اللطيف، فنفى أنه يعرف عنوان سكنه بالضبط، وأنه يسكن في ( حقل المناورات ) أول مايو حاليا، وفي هذه الحالة رأى المجرمون أن الذي وقع بين أيديهم كان لتحقيق مآربهم، وأن اختلاف الاسم لا يغير للقضية وجها فخرجوا به حافيا عاريا إلا من منامته، حاسر الرأس وقد ألقي عليه دثار عسكري جاءوا به لهذا الغرض، وذهبوا به إلى المصير الذي ينتظره وقد أدلى بهذا التصريح ابنه ( الأمين) الذي كان حاضرا عند الاعتقال وقيل أن هذه العملية كانت انتقاما وثأرا لراهب يهودي قتلته المقاومة في نواحي ( المدية ) والله أعلم .

  • واستقلت البلاد :
  • أم مسجد كتشاوة من سنة 63 إلى سنة 1964
  • حج إلى بين الله الحرام ثلاث مرات، أولاها في الثاني من شهر مارس 1968 والثانية في سنة 1975 والثالثة في سنة 1977، كما أدى عمرتين منفردتين في 1981 و 1982.
  • انخرط في سلك الأساتذة فعين أستاذا في ( ثانوية حسيبة بن بوعلي ) في القبة من سنة 64 إلى أواخر 1966 وبقي متطوعا لإمامة جامع كتشاوة.
  • انتقل إلى ( ثانوية الإدريسي ) في ساحة أول مايو، فمكنت فيها أربع سنوات إلى أن أحيل فيها على التقاعد في سنة 1971.
  • واشتغل – بعد ذلك . – متطوعا في الوعظ والإرشاد والإمامة في أيام الجمع في مجموعة من المساجد تردد عليها وهي: ( مسجد العناصر التي عمل فيه أثناء الحرب التحريرية ومسجد الصادقية بالمدنية، وجامع كتشاوة، وجامع فارس بالقصبة، وجامع الشيخ عبد الحميد بن باديس بالقبة، وجامع دار الأرقم بابن عكنون ) .
  •  وعارض النظام السائد في الجزائر دفاعا على الإسلام وأحكامه التي يدعو إلى تطبيقها مادام الإسلام دين الدولة، والشعب الجزائري شعب مسلم ، لكن أسيء فهمه فحكم عليه بعدم مبارحة منزله بالقية إلى أن مات.

آثـــاره:

ترك مكتبة ثرية في مختلف العلوم والفنون وهي تحت تصرف أبنائه أما تآليفه المطبوعة فهي :

  •  المزدكية هي أصل الاشتراكية وقد طبع في شهر يونيو 1974 .
  • سهام الإسلام وقد طبع في شهر يناير 1980
  • في سبيل العقيدة الإسلامية وقد طبع في مارس 1982
  • وأما مخطوطاته فقد ترك مذكرات وكتابا واحدا هو شرح كتاب الشيخ عبد الرحمن الأخضري في الفقه

وفــاته:

وتوفي ، رحمه الله وأرضاه في يوم 9 رجب 1404 هـ الموافق ليوم 11 أبريل 1984 بالقبة – الجزائر العاصمة

للتحميل كتب الشيخ عبد اللطيف سلطاني أو مطالعتها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى