التحقيق في تاريخ ولادة الأمير عبد القادر الجزائري

إعداد: عبد الحفيظ عبد السميع.
لم تكن حكاية سيرة الأمير عبد القادر استثناءا من غموض التاريخ، بل امتدت ظلال الاختلافات لتشمل تاريخ ميلاده، فبين ثنايا الأوراق القديمة ووثائق التاريخ، استحوذت سيرة الأمير على اهتمام المؤرخين الأجانب، الذين نسجوا خيوط حكايته بدقة مُذهلة وعناية فائقة. مستعرضين تفاصيل حياته، منذ نشأته وتعليمه إلى إنجازاته وبطولاته. ومع وصولهم إلى تحديد تاريخ ولادته، تباينت الآراء وتنوعت الروايات.
ثلاثةُ أقوالٍ مختلفةٍ تُثيرُ الفضولَ وتدفعُنا للبحثِ والتأملِ، تاركةً المجالَ مفتوحًا للتفسيراتِ والتأويلاتِ.
ينقل لنا صاحب كتاب المارشال بوجو من خلال مراسلاته الخاصة ووثائقه غير المنشورة القول الأول: “ولد عبد القادر في أواخر سنة 1806 بقيتنة سيدي محيي الدين قرب معسكر بإقليم هاشم”


ومن جانبه يأتي صاحب كتاب الحياة الخاصة لعبد القادر، ليلقي الضوء على القول الثاني: “ليس هناك الكثير من الاتفاق على وقت ولادته، ولكن يُعتقد بشكل عام أنه كان عام 1807


وفي ختامها يتحدث صاحب كتاب الحياة السياسية والعسكرية لعبد القادر ليزيد من حيرتنا ويثير التساؤلات بالقول الثالث: “ولد عبد القادر بن محي الدين في بداية عام 1223 هـ الموالفق لـ (1808) بالقرب من معسكر في سهل غريس”


فمع اختلافِ أقوالِ المؤرخينَ الأجانبِ حولَ تاريخِ ميلادِهِ، تبرزُ الحاجةُ إلى البحثِ عن مصدرٍ موثوقٍ يُؤكّدُ صحةَ أحدِ هذهِ الأقوالِ.
والقولُ الفصلُ في مثلِ هذهِ المسائلِ ينبغي أن يكونَ بمصداقيةِ التوثيقِ، إما من خلالِ ما ذكرهُ الأميرُ نفسهُ في وقائعِ ماضية، أو من خلالِ أقوالِ مقربيهِ الذينَ كانوا شهودًا على سيرتهِ وأفعالهِ، أو من خلال الوثائق الرسمية الموثقة.
وبالجمعِ بينَ هذهِ المصادرِ الثلاثةِ، نستطيعُ الوصولَ إلى حقيقةِ تاريخِ ميلادِ الأميرِ عبدِ القادرِ، ونُغلقُ البابَ أمامَ أيّ غموضٍ أو شكٍّ.
في لقاء الأمير عبد القادر مع الإمبراطور نابليون الثالث في سانت كلاود عام 1852، حسم الأمير الجدل حول تاريخ ميلاده. ففي ذلك اللقاء، أكّد الأمير أنّ سنة ولادته كانت 1807، وهذا ما وثّقه صاحب كتاب “نابليون الثالث وعبد القادر”.
يقول صاحب الكتاب: “في عام 1222 من الهجرة الموافق لـ (1807) ولد من سيدي محيي الدين ولالة زهرة الطفل الذي نال اسم عبد القادر.”


ثمّ يُضيف شارحًا في الهامش: “مسألة عمر عبد القادر كانت مثار جدل في كثير من الأحيان، لكن هذا التاريخ هو التاريخ الصحيح: إنه التاريخ الذي أكده الأمير بنفسه للإمبراطور خلال زيارته إلى سانت كلاود“.

في ضوء هذا المصدر، يتضح أنّ الأمير أكد بنفسه أنه ولد في عام 1807، وهذا ما أكده الكولونيل تشرشيل في كتابه حياة عبد القادر الذي صرح بأنه كتبه من إملائه الخاص حيث قال: “عبد القادر ناصر الدين، .. ولد في شهر ماي سنة 1807 في قرية القيطنة”.


في هذه الرواية نجد تفصيلا جديدا لم يُذكر من قبل، وهو أن الأمير ولد في شهر ماي من نفس السنة. ولكن، سرعان ما يصطدمُ هذا التأكيدُ بروايةٍ مُضادةٍ من قبلِ نجل الأمير محمدِ باشا، الذي عاشَ معَهُ طيلةَ حياتِهِ، وكان كاتم أسراره، فبحسبِ محمدِ باشا، فإنّ والدهُ ولدَ يومَ الجمعةِ في شهرِ رجبٍ، وهو ما يُوافقُ شهرَ سبتمبرَ.
قال الفريق محمد باشا في كتابه تحفة الزائر: “ولد طاب ثراه في بلدة القيطنة من أعمال وهران بالمغرب الأوسط يوم الجمعة الثالث والعشرون من رجب سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف هجرية، وفي سبعة وثمانمائة وألف مسيحية”.

وتُؤكّدُ الوثائقُ الرسميةُ المستخرجةُ في دمشقَ الشامَ على هذا التاريخِ، حيثُ وردَ في بيانِ وفاةِ الأميرِ أنّه ولدَ في 25 من أيلول سبتمبر لعامِ 1807.

وتُشاركُ الجزائرُ دمشقَ رمزيةَ هذا التاريخِ، فتُوثّقُ شهادةَ ميلادٍ رمزيةٍ للأميرِ تُشيرُ إلى نفسِ اليوم والشهر والسنة.

وهذا التقاطعُ التاريخيّ يُؤكّدُ صحةَ هذهِ الروايةِ ويُرجّحُ أنّهُ هو التاريخُ الحقيقيّ لِميلادِ الأميرِ عبدِ القادرِ. وبهذا، نكونُ قد قطعنا شوطًا هامًا في رحلةِ البحثِ عن الحقيقةِ، ووصلنا إلى روايةٍ قويةٍ مدعومةٍ بالوثائقِ الرسميةِ.
لمشاهدة هذه الحلقة اضغط هنا لمشاهدتها في الموقع، أو هنا لمشاهدته على اليونوب







