شهادة بوضياف التي ضاقت بها الذكرى الـ 25 للثورة (الحلقة الأولى)

بقلم الكاتب الصحفي محمد عباس: في كتابه مرافعة في سبيل الاستقلال ص11 – 16.

نشرت صحيفة المجاهد([1]) بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للثورة، شهادة للرئيس رابح بيطاط حول التحضير لفاتح نوفمبر 1954.

وفي 7 نوفمبر 1979 بعث المناضل محمد بوضياف([2]) رسالة من منفاه بالقنيطرة فيالمغرب إلى الفقيد عبد الحميد مهري وزير الإعلام والثقافة آنذاك، مرفقة بشهادة طويلة([3]) حول نفس الموضوع، معربا عن أمله في نشرها ليطلع الجزائريون عليها.

واعتبر بوضياف في رسالته مبادرة بيطاط ايجابية، لأنها تشكل قطيعة مع العادات السيئة من جهة، ولأنها بحاجة إلى إثراء وتدقيق من جهة ثانية.

وتمنى بدوره أن تتعدد الشهادات، وأن تدلو أطراف فاعلة أخرى بدلوها.. “لأن لا أحد يملك ناصية الحقيقة بمفرده، ومن واجب الشهود الأحياء أن يساهموا في إضاءة هذه الصفحة من تاريخنا…”.

لم يستطع وزير الإعلام والثقافة يومئذ نشر شهادة رفيقه بوضياف، لكن قبل رحيله بفترة سلّمنا نسخة منها، وكان يتحين المناسبة لنشرها في إحدى الصحف الوطنية.
وقد ارتأينا بمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال نشر مقتطفات من هذه الشهادة بعد أن ضاقت بها الذكرى الـ 25 للثورة قبل 33 سنة.

نص رسالة بوضياف إلى مهري

شهادتي تشجيع للقطيعة مع العادات السيئة..”!

7 نوفمبر 1979.

محمد بوضياف

وزير الإعلام عبد الحميد مهري

أخى العزيز…

أستسمحكم وقد بادرت صحيفة “المجاهد” في عدد فاتح نوفمبر1979، بنشر شهادة رابح بيطاط، حول الإعدادات التي سبقت فاتح نوفمبر، في أن أرسل إليكم ولهيئة تحرير الصحيفة روايتي عن هذا الحدث، وكلي أمل في أن يتمكن الجزائريون من الاطلاع عليها.

إني أقدم شهادتي تشجيعا لمبادرة إيجابية، تشكل قطيعة مع العادات السيئة السائدة، وإثراءً وتدقيقا لما جاء فيها كذلك.

وأعرب بدوري عن أملي في أن تتعدد الشهادات وأن تتاح لأخرين فرصة تقديم مساهماتهم.
وبودي أن أضيف في هذا الصدد، أن من حق الشهود الأحياء ممن عايشوا تلك الحقبة، أن يشاركوا في إضاءة هذه الصفحة من تاريخنا.

إن وجهة نظر واحدة لا يمكن أن تحتوي في تقديري، حركة على درجة كبيرة من التشعب والتعقيد، ومن بين الشهود الأحياء يمكن أن نذكر: بن طبال، بوالصوف، الزبير بوعجاج، عثمان بالوزداد، محمد مرزوقي، مشاطي، حباشي، العمودي…

مع تحياتي الأخوية: محمد بوضياف

حذار من التعتيم .. على دور الشعب

مهد المناضل محمد بوضياف لشهادته بثلاث ملاحظات:

  1. يكمن فضل رجالات فاتح نوفمبر في أنهم ترجموا عمليا ما كانت أغلبية الجزائريين تفكر فيه وتتمناه.
  2. لا يكفي لفهم ما حدث، الوقوف عند دور بعض “القادة التاريخيين”.
  3. خطر التركيز على الإبطال، لأنه أحسن طريقة لتجاهل دور الشعب.

ووقف في إطار الأحداث الممهدة لفاتح نوفمبر 1954 عند حدثين:

أولا: أحداث مايو 1945 التي “أكدت” بالدليل القاطع أن الاستعمار لا يمكن محاربته بغير الوسائل الثورية.

هذه الأحداث تشكل لمناضلي جيلي بداية وعي وقطيعة في آن واحد.

  • الوعي بضرورة البحث عن طرق ووسائل تحقيق الاستقلال، وعدم الاكتفاء بالمطالبة به .. ذلك أن إقرار المجتمع الدولي حق الشعوب في تقرير مصيرها، لا يكفي لتمكين هذه الشعوب من التحرر بالوسائل السلمية وحدها.
  • القطيعة مع مفاهيم النضال التقليدية وأنماط التنظيم السابقة، فتجربة “أحباب البيان والحرية” مثلا، كشفت أن تفعيل هذه المفاهيم والأنماط إلى أقصى حد، لم يكن كافيا لفتح طريق الاستقلال، بل لم يكن يمنع الاستعمار من ضرب هذه الحركة الشعبية وقمع قادتها ومناضليها .. فتلك الهجمة الاستعمارية النكراء أوضحت الموقف تمام الوضوح.

ثانيا: اختيار المشاركة في الانتخابات الذي جاء به الحاج مصالي، بعد عودته من منفاه في خريف 1946.

هذا الاختيار جعل العناصر الثورية من شباب الحزب خاصة ترد الفعل، فتطالب بإنشاء تنظيم شبه عسكري لترجمة قناعتها بأن الاحتكام إلى السلاح لا مفر منه لمواجهة الاحتلال الاستيطاني ..

وما لبث هذا المطلب أن تجسد في قرار مؤتمر منتصف فبراير 1947، تأسيس “المنظمة الخاصة” الذي كان حدثا في غاية الأهمية.

وجاءت انتخابات المجلس الجزائري في أبريل 1948 لتعزز موقف أنصار الاختيار الثوري بالكشف عن محدودية النضال في إطار الشرعية (الاستعمارية)، بعد أن أصبح الفعل الانتخابي مرادفا للتزوير والقمع:

 “لقد أصبح التمادي على هذا النهج ليس مجرد خطأ سياسي، بل خيانة موصوفة”.

المنظمة الخاصة

أزمات منذرة بقرب الإعصار

تأسست المنظمة الخاصة” في غضون 1947 و 1948 ، وتم اختيار عناصرها على أساس جملة من الخصال الذاتية: الاقتناع، الكتمان، الشجاعة البدنية، تحمل الحياة السرية.

وكان تعدادها يتراوح ما بين 1000 و 1500 مناضل، موزعين على خمس ولايات: وهران، وسط البلاد، العاصمة، والمتيجة، جرجرة، قسنطينة.

وشكلت أول قيادة أركان لها من:

  • محمد بالوزداد قائدا.
  • حسین آيت أحمد نائبا سياسيا عبد القادر وبالحاج الجيلالي نائبا عسكريا. وتم
    تعيين قادة الولايات كما يلي:
  • وهران: أحمد بن بلة
  • وسط البلاد: محمد مروك
  • العاصمة والمتيجة: الجيلالي الرجيمي
  • جرجرة : آيت احمد بمساعدة عمار ولد حمودة
  • قسنطينة : محمد بوضياف

ما لبثت المنظمة الخاصة أن عاشت سنة 1949 أزمتين جزئية وعامة:

  •  أزمة جزئية خلال النصف الأول من السنة، جراء ما عرف آنذاك بـ “المؤامرة البربرتية” التي أدت إلى تفكك وحل خلاياها بولاية جرجرة، لتورط العديد من العناصر في هذه “المؤامرة” بدءا بعمار ولد حمودة نائب آيت احمد ذاته…

وقد مست مضاعفات المؤامرة هذا الأخير، بتعويضه على رأس المنظمة الخاصة بأحمد بن بلة في صائفة نفس السنة.

  • أزمة عامة تبلورت في أواخر السنة، بعد أن تسلل الملل إلى العديد من عناصر المنظمة، جراء طول الانتظار بدون آفاق. كانت هذه العناصر تتساءل متى نشرع في الكفاح ؟!

 وكانت قيادة الحزب عاجزة كل العجز عن تقديم جواب واضح على هذا السؤال الهام.

هذه الوضعية اتخذت أبعادا أخرى، إثر اكتشاف المنظمة في مارس 1950 واعتقال العشرات من عناصرها، بدءا بقائدها أحمد بن بلة ونائبه العسكري بالحاج الجيلالي .. طلبنا تعليمات من قيادة الحزب لمواجهة الموقف .. فكان الجواب: ” أحرقوا الوثائق، ضعوا العتاد في مأمن انتظروا..”

نجا من قادة المنظمة عبد الرحمن بن سعيد من الغرب، وبوضياف من الوسط، وبن مهيدي من الشرق…

بعد نحو سنة من الأخذ والرد قررت قيادة الحزب حل المنظمة الخاصة، وإعادة إدماج الناجين من عناصرها في التنظيم السياسي.

طرحنا نحن الأربعة (بوضياف وكل من بن مهيدي وديدوش وبن بولعيد) في لقاء بالعاصمة على أنفسنا السؤال التقليدي ترى ما العمل؟

طبعا لم يكن أمامنا من اختيار حينئذ غير الانتظار، مع وضع وسائل عمل المنظمة في مأمن. ونعني بذلك الأسلحة، ومصلحة بطاقات الهوية، ونقاط الاتصال.. قررنا أيضا بالمناسبة أن يلازم مواقعهم: حراس مخازن الأسلحة، أعوان الاتصال، خلايا المنظمة بالأوراس لأنها لم تكتشف.

 أثناء عملية إعادة الإدماج، كان أعلى منصب لعناصرها رئيس دائرة في الهيكل السياسي، وبحكم مسؤوليتي في أركان المنظمة الخاصة حارت قيادة الحزب في أمري، فبقيت بدون تعيين قرابة السنة، قبل تكليفي – بطلب مي – بعمل إداري روتين:

تلخيص التقارير المالية والنظامية الواردة شهريا من مختلف أنحاء البلاد.

هذا العمل – الذي كان يستغرق من 8 إلى 10 أيام مكنني من متابعة الوضع الداخلي للحزب:

حالة التنظيم، مدى تطبيق تعليمات القيادة، تعداد المناضلين، الحالة المعنوية للمواطنين، فضلا عن معلومات تخص الجزائر بصفة عامة.

وكنت أتفرغ بعد أداء هذا العمل لمهمة الاتصال بالرفاق المارين بالعاصمة، علما أن موقعي كان يسمح لي بذلك([4]).


([1]) –  عدد 1 نوفمبر 1979

([2]) –  “الفجر”، أعداد 11 و 18 و26 يوليو 2012.

([3]) –  عبارة عن ملخص لشهادته التي سبق نشرها في الذكرى العشرين للثورة نوفمبر (1974)، على صفحات “الجريدة” لسان حزب الثورة الاشتراكية آنذاك. وقد سهر أخوه عيسى على إعادة طبعها أخيرا في دار القصبة.

([4]) –  كلف بوضياف بشؤون الناجين المطاردين من عناصر المنظمة الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى