أبو القاسم سعد الله: منهج الفرنسيين في كتابة تاريخ الجزائر (الحلقة الأولى)

المؤرخ أبو القاسم سعد الله كتاب أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر ص13-17

(الحلقة الأولى)

يذكر السيد بيربروجر، أول رئيس (للجمعية التاريخية الجزائرية)، أن الفرنسيين قد شرعوا في إدخال نظمهم العلمية والأدبية والفنية إلى الجزائر منذ 1830 ، وتروي الصحيفة الرسمية ( المرشد الجزائري Moniteur algérien التي أسسها الفرنسيون سنة 1832 ، انه قد وجدت آنئذ مدرسة للطب، وجمعية خيرية تقوم بنشاطها في ( جامع السيدة ) ، كما شرع في إنشاء مكتبة عمومية، ومن بين هذه النظم العلمية أيضا الدراسات التاريخية. ففي سنة 1831 أذن بيرتزين، قائد الجيش الفرنسي، للسيد شيافي الذي كان عالما أثريا، بالتنقيب عن الآثار في المنازل والحدائق العامة([1]).

وفي دراستنا لمنهج الفرنسيين في كتابة تاريخ الجزائر سنقصر حديثنا على الفترة الواقعة بين 1830- 1954 مع بعض الإشارات للعهد العثماني (1500- 1830 ) كلما اقتضى الأمر ذلك.

مجالات البحث عند الفرنسيين :

ورغم جهل الفرنسيين أول الأمر بواقع الجزائر وتاريخها ، ورغم انشغالهم بعمليات الحملة والاحتلال وافتقارهم في البداية الى الذوق الثقافي ، فانهم اتجهوا فى البحث ثلاثة مجالات في نفس الوقت :

1 – نشر الآثار القديمة عن الجزائر .

2 – إنشاء اللجان (العلمية) ومنح الرخص للأفراد للقيام بعمليات البحث والجمع والتعريف بالآثار التاريخية في البلاد .

3 – تكوين الجمعيات المختصة ، والصحف والدوريات التي تحفظ المكتشفات التاريخية وتعتني وتعرف بها المهتمين.

وفي نطاق المجال الأول نشروا منذ 1830 كتب الرحلات والانطباعات التي كتبها الأروبيون عن الجزائر خلال العهد العثماني ، مثل شيلروشو وبانانتي ورونودو وهايدو وفاتتوردي بارادي،  كما نشروا غزوات عروج وخير الدين مترجمة عن النسخة العربية واهتموا ( بالزهرة النيرة ) وبالوثائق العربية لحملة شارل الخامس على الجزائر. وعادوا

إلى كتب المؤرخين والرحالة العرب وشرعوا أيضا في نشرها ، جزئيا أو كليا كابن خلدون، والبكري والعياشي وحسن الوزان ( ليون الأفريقي ) وغيرهم. ومن جهة أخرى نشروا مراسلات دايات الجزائر مع حكام فرنسا، ومذكرات وتقارير القناصل والجواسيس الفرنسيين أمثال دوبوا تانفيل، وبوتان وكيرسي. واهتموا بأرشيف الغرفة التجارية بمرسيليا وبتقارير الشركات الفرنسية التي توالت على ما كان يسمى (بحصن فرنسا) وبالإضافة إلى ذلك أبدَوْا عناية بالوثائق العثمانية التي وجدوها في الجزائر والتي ضاع كثير منها ساعة الفوضى التي سادت دخولهم الجزائر([2])

وبخصوص المجال الثاني ) انشاء اللجان العلمية ) ، نجد أن اللجنة الأفريقية ([3]) التي زارت الجزائر سنة 1833 بقصد التحقيق في مصير الجزائر ، تنهي أعمالها بتقارير ومحاضر غنية عن الجزائر في مختلف المجالات ، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية ، وفى سنة 1837 أنشأت وزارة الحربية لجنة باسم  (اكتشاف الجزائر العلمي) . وقد قامت بنشر دراسات هامة في عدة أجزاء عن الآثار والعلوم الطبيعية والفنون الجميلة والتاريخ وعلم السلالات. وكذلك قام العديد من الأفراد يبحثون وينشرون أعمالهم فى التاريخ المحلي، عن اللهجات، والطرق والنظم، وطبائع السكان، والزوايا، والحياة القبلية والمدن الخ. وقد ظهرت من ذلك مجموعة من الدراسات والانطباعات التي كتبها عسكريون سنتحدث عن دورهم بعد قليل ([4])  .

أما المجال الثالث (الجمعيات والصحف) فقد ظهر هو الآخر منذ بداية الاحتلال. فمنذ 26 جوان 1830 ولدت الصحافة بالجزائر في سيدي فرج. ولعلها لم تكن صحافة بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن أول جريدة حقيقية أسسها الفرنسيون فى الجزائر هي (المرشد الجزائري) وكانت تهتم بالإضافة إلى القرارات والإعلانات الرسمية، بالتاريخ المحلي وأخبار المسلمين وحركات الأهالي، وكان على رأسها السيد بير بروجر الذي كان له دور في إدخال كثير من عوامل الحضارة الأوروبية الى الجزائر. ثم صدرت جريدة (الأخبار) سنة 1839، وكانت هي الأخرى تهتم بالأبحاث التاريخية إلى جانب كونها جريدة سياسية إخبارية. وقد اهتمت أيضا (المبشر) التي ظهرت سنة 1847 بالأخبار المحلية وأن كانت قليلة، ولا سيما في عهدها الأول.

غير أن تأسيس ( جمعية قسنطينة للآثار )([5]) سنة 1852 قد أدى إلى ظهور الدوريات المتخصصة فى الدراسات التاريخية والأثرية. فقد كانت هذه الجمعية تُصدر منذ عامها الأول (تقويما Annuaire) تحول فيما بعد إلى (مجموعة Recueil) من الدراسات والملاحظات المتعلقة بتاريخ المنطقة وبوَحْي من الحاكم العام راندون ظهرت في مدينة الجزائر سنة 1856 (الجمعية التاريخية الجزائرية) ([6]) التي أصدرت المجلة الأفريقية وهي المجلة التي أصبحت بعد مائة سنة ونيف مرجعا لا غنى عنه للباحثين فى تاريخ الجزائر في مختلف عصوره ، ولم تحن سنة 1878 حتى ظهرت في وهران أيضا ( جمعية وهران الأثرية ) . وقد أصدرت بدورها ) نشرة Bulletin ) تضم أبحاث أعضائها ومراسليها عن تاريخ المنطقة . وكل هذه الدوريات استمرت طويلا وأثرت البحث التاريخي في الجزائر وظهر على صفحاتها جم من العلماء الذين كرسوا أوقاتهم لجمع المعلومات عن التاريخ المحلي .

والى جانب هذه الدوريات والجمعيات ظهرت مكتبة ومتحف الجزائر فقد ظهرت أول نواة ( مكتبة مدينة الجزائر ) سنة 1835 ولم تبدأ فى العمل فعلا الا خلال سنة 1838 . وبوحي من بريسون المتصرف المدني ، أضيف الى المكتبة (متحف أثري . وأصبحت المكتبة والمتحف منطلقا للباحثين في تاريخ الجزائر يجدون فيهما المخطوطات العربية والمطبوعات والآثار التي هي عدة المؤرخ ، والملاحظ أن أول مقر للمكتبة والمتحف هو ) دار الحاج عمر ) ، صهر الداي حسن باشا وكانت هذه الدار على الطراز الأندلسي الجزائري الجميل . وكانت تتكون من طابقين خصص الطابق الثاني للمكتبة ، وكان يضم أربع قاعات ثلاث منها للكتب والرابعة للمطالعة والقاعة الأخيرة مقسمة الى جناحين واحد للمطالعين الأوروبيين والثاني للمطالعين الجزائريين.

والملاحظ أن الجناح الأول كان يحتوي على الكتب المتعلقة بالجزائر والتي كانت مطلوبة أكثر من غيرها.

أما المتحف فكان في الطابق الأول من الدار وكان يضم أيضا أربع قاعات، خصصت ثلاث منها لعرض وحفظ التحف والأشياء الثمينة والخطوط والآلات والآثار والأسلحة والحيوانات الخ .. أما القاعة الرابعة منه فقد خصصت لدرس اللغة العربية الذي كان يقوم به السيد بريسني.

 وبالاضافة الى مكتبة ومتحف مدينة الجزائر توسعت المكتبات العسكرية التي كانت تتبع الحاميات في المدن التي وقع احتلالها، كما تكونت متاحف أخرى مثل متحف شرشال الذي تكون في الشهور الأولى للاحتلال والذي تخصص تقريبا في حفظ الآثار الرومانية التي أولاها الفرنسيون اهتماما خاصا([7]). .


([1]) – بيربروجر في مقدمة المجلة الافريقية (1856-1857) ص 4 .

([2]) – وليام مارسي في كتاب « التاريخ ومؤرخو الجزائر » ، باريس ، 1931 ، ص 136

([3]) – أنظر عنها كتابي . تاريخ الجزائر الحديث بداية الاحتلال » ، القاهرة ، 1970 (معهد البحوث والدراسات العربية ) .

([4]) – ستيفان غزال في كتاب “التاريخ ومؤرخو الجزائر” ص7 – 8.

([5]) – يعود الفضل في تأسيسها إلى الضابط كروللي، والضابط بروسلار، وسيربونو، أستاذ اللغة العربية.) .

([6]) – أول مكتب لها كان يتكون من بير بروجير (رئيسا) وعضوية دي سلان، ودونوفو (كلاهما عسكري) وبرينسي (كاتب عام) أستاذا للغة العربية..

([7]) –  بیر بروجر في مقدمة  «المجلة الافريقية » ( 1856 – 1857) ص4 – 6. أنظر كذلك « لوحة عن وضع المنشآت الفرنسية » ( مجلد (1846-1849) ص 196-197 «مترجمو الجيش الافريقي» وكذلك هنري ماسي «الدراسات العربية في الجزائر» (1830 – 1930) فاصلة من «المجلة الافريقية » 356 – 357 (1933) ، ص1 – 2)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى