الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

كانت حياة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي حافلة بالأحداث، من يوم ولادته إلى ساعة وفاته، وهذه تفاصيل سيرته ومسيرته، التي لا تجدها في مكان آخر.
- من أين اشتق له اسم الإبراهيمي.
ولد الشيخ الإمام محمد البشير في بلدة راس الواد ولاية سطيف، في قبيلة تُعرف باسم “أولاد ابراهم” وهي الآن بلدية تتبع لولاية برج بوعريرج، واسم الإبراهيمي مشتق من اسم هذه القبيلة.
قال نجله أحمد طالب في مذكراته: “كانت أسرتي تحمل دائما اسم الإبراهيمي مفتخرة بانتمائها إلى قبيلة أولاد ابراهم”
ولا زالت بلدية أولاد ابراهم إلى حدّ الآن تحتفي وتفتخر بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي رفع اسم قبيلتهم، حيث خلّدت ذكراه بإقامة مَعْلَمٍ له في مسقط رأسه، وترميم بيته الذي وُلِدَ فيه، كما وضعَت صوره على مداخل المدينة، وأطلقت اسمه على مسجدها ومركزها الثقافي.
- من أين اشتق لقبه العائلي: طالب
ولد الإبراهيمي في عائلة تشتهر بطلب العلم والتعليم والمشيخة، ولذلك لما قررت فرنسا المحتلة وضع الألقاب للعائلات الجزائرية، جعلت لقب عائلته “طالب” وهو الذي يمتهن التعليم. قال أحمد طالب في مذكراته: “وحين قررت فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر أن تفرض الألقاب على كلّ الجزائريين، ظهر اسم طالب، كيف تم ذلك؟ كان ضابط “الشؤون الأهلية” يقرر إطلاق أسماء المهن والعاهات وظروف اللحظة على العائلات، فيسميك “حداد” أو “نجار” إذا كان ربّ العائلة حدادا أو نجارا، لعور أو لعرج إذا كان أعور أو أعرج، بوبقرة إذا كان يملك بقرة، وسميت عائلتي طالب لأنها كانت عائلة من المعلمين، فالطالب في عاميتنا يعني معلم المدرسة”
- نشأة الشيخ وطلبه للعلم.
نشأ الشيخ طالب محمد البشير مثل كل أطفال أهل القرية، الذين دأبوا منذ القدم على إرسال أبنائهم إلى الكُتّاب للتعليم وحفظ القرآن، وكان كلّ ذلك تحت إشراف عمه الشيخ المكي الإبراهيمي، قال الشيخ البشير الإبراهيمي في سيرته الذاتية التي خطّها بيده كما في الآثار: نشأت في بيت والدي كما ينشأ أبناء بيوت العلم، فبدأت التعلم وحفظ القرآن الكريم في الثالثة من عمري على التقليد المتبع في بيتنا، الشائع في بلدنا. وكان الذي يعلمنا الكتابة، ويلقننا حفظ القرآن جماعةٌ من أقاربنا من حفاظ القرآن، ويشرف علينا إشرافاً عالياً … عمي شقيق والدي الأصغر الشيخ محمد المكي الإبراهيمي رحمه الله“
- ختم القرآن ولم يجاوز التاسعة من عمره.
قال الشيخ الإبراهيمي“فلما بلغتُ سبع سنين استلمني عمي من معلمي القرآن، وتولى تربيتي وتعليمي بنفسه، فكنت لا أفارقه لحظة، … فحفظت فنون العلم المهمة في ذلك السن مع استمراري في حفظ القرآن؛ فما بلغت تسع سنين من عمري حتى كنت أحفظ القرآن مع فهم مفرداته وغريبه”.
- جلس على كرسي التعليم ولم يجاوز الأربعة عشر سنة من عمره
واظب الشيخ الإبراهيمي بكلّ جهد ونشاط على حلقات العلم والتحصيل إلى غاية سنة 1903 وهي السنة التي توفي فيها عمُهُ وشيخُه ومعلمُه الشيخ محمد المكي الإبراهيمي، عندها خلفه على كرسي التعليم وهو لم يجاوز الأربعة عشر سنة من عمره.
قال الإبراهيمي في سيرته التي خطّها بيده: مات عمي سنة 1903م ولي من العمر أربع عشرة سنة … وأمرنِي أن أخلفه في التدريس لزملائي الطلبة الذين كان حريصاً على نفعهم، ففَعلت .. فتصدَّرتُ دون سن التصَدُّر، وأرادت لي الأقدار أن أكون شيخاً في سن الصِبا”. بعد وفاة عمّه مباشرة انطلق الشيخ البشير الإبراهيمي في مرحلة التعليم والتدريس، حيث حمل على عاتقه مهمة إعطاء الدروس والشروح لزملائه في الطلب. وما إن وصلت سنة 1908 حتى قرر والده الهجرة إلى المشرق هروبا من ظلم المستعمر الغاشم.
- انتقال الشيخ إلى الحجاز والاستقرار في المدينة المنورة.
في سنة 1911 قرر الشيخ البشير الإبراهيمي الهجرة والالتحاق بوالده في المشرق، قال في هذا الشأن: واخترت المدينة المنورة، لأنّ والدي سبقني إليها سنة 1908 فرارا من ظلم فرنسا، فالتحقت به متخفيا أواخر سنة 1911 كما خرج هو متخفيا، ومررتُ في وجهتي هذه بالقاهرة” ومن القاهرة انتقل الشيخ إلى بور سعيد حيث امتطى الباخرة إلى ميناء حيفا بفلسطين، ثم استقلّ القطار متوجها إلى المدينة المنورة، عندها التقى بوالده، وبدأت مرحلة الطلب في الحرم النبوي حيث طاف على حِلَقِ العلم في محاولة منه لجمع العلم والتحصيل.
التزم الشيخ الحضور إلى المسجد النبوي، وقرر الاستزادة والتوسع في بعض العلوم التي كان بحاجة إليها مثل التفسير وعلم الحديث والجرح والتعديل والأنساب والشعر الجاهلي وأمهات الأدب وغيرها. قال الإبراهيمي في هذا الشأن: “وبالجملة فقد كانت إقامتي بالمدينة المنورة أيام خير وبركة علي، فكنت أنفق أوقاتي الزائدة في إلقاء دروس في العلوم التي لا أحتاج فيها إلى مزيد كالنحو والصرف والعقائد والأدب، وكنت أتردد على المكتبات الجامعة”.
- اللقاء مع الإمام ابن باديس.
استمر الإبراهيمي على ذلك النحو إلى موسم حجّ سنة 1913 أين وفد الحجاج من بقاع العالم، وكان من الحجاج الوافدين من الجزائر حينها الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي قرر بعد إكماله شعائر الحج، الإقامة عند الشيخ الإبراهيمي للتباحث معه في الوسائل التي تمكنهما من رفع الغبن والجهل عن الشعب الجزائري، واستمر على ذلك ما يقارب الثلاثة أشهر.
بعد التشاور والتناصح الذي وقع بينهما بشأن أوضاع الجزائر، أيقنا بأنّه لا سبيل لإيقاظ الشعب من غفلته، وتفجير طاقته، وتخليصه من جهله وتقاعسه إلا بالعودة إلى الجزائر، وأبرما على ذلك اتفاقا موثقا. قال الشيخ الإبراهيمي في هذا الشأن: “ورجع الشيخ إلى الجزائر في سنته تلك، بعد أن أقنعته بأني لاحق به بعد أن أُقنِعَ والدي أن رجوعي إلى الجزائر يترتب عليه إحياء للدين والعربية، وقمع للابتداع والضلال، وإنكاء للاستعمار الفرنسي، وكان هذا هو المَنْفَذُ الوحيد الذي أدخل منه على نفس والدي ليسمح لي بالرجوع إلى الجزائر. وأضاف: وشرع الشيخ (ابن باديس) بعد رجوعه من أول يوم في تنفيذ الخطوة الأولى من البرنامج الذي اتفقنا عليه، ففتح صفوفا لتعليم العلم، واحتكر مسجدا جامعا من مساجد قسنطينة … فما كاد يشرع في ذلك ويتسامع الناس به حتى انهال عليه طلاب العلم من الجبال والسهول إلى أن ضاقت بهم المدينة.
- إلقاء الدروس في الجامع الأموي.

بعد عودة الإمام ابن باديس إلى الجزائر كثّف الشيخ الإبراهيمي من نشاطه التعليمي في المدينة، وما لبث أن استطاع – مع كثرة العلماء الحاضرين آنذاك – أن يحتجز لنفسه كرسي التدريس في المسجد النبوي. واستمر على ذلك إلى غاية سنة 1917 أين اشتدّت أوضاع المدينة جرّاء الحرب التي قامت، فقرر الانتقال إلى دمشق، قال موضحا سبب انتقاله إلى دمشق: ولما جاءت سنة 1917 أمرت الحكومة العثمانية بترحيل سكان المدينة كلّهم إلى دمشق بسبب استفحال ثورة الشريف حسين بن علي …. فكنت من أوائل المطيعين لذلك الأمر، وخرجت مع والدي إلى دمشق في شتاء سنة 1917″
وما إن وطأت قدماه مدينة دمشق حتى تهاطلت عليه الزيارات من كل مكان، وفتحت له أبواب المساجد حيث بدأ بإلقاء دروس الوعظ،
قال الإبراهيمي: ما لبثت شهرا حتى انهالت عليّ الرغبات في التعليم بالمدارس الأهلية، فاستجبتُ لبعضها، ثم حملني إخواني على إلقاء دروس في الوعظ والإرشاد بالجامع الأموي ..”
واصل الشيخ الإبراهيمي جهوده في التدريس والتعليم إلى سنة 1918 أين اندلعت الحرب في دمشق وأدّت بالقوات العثمانية إلى الانسحاب آذنة بانتهاء عصر سوريا العثمانية، لتستقر مكانها قوات من جيش الثورة العربية.
- زواج الشيخ الإبراهيمي
وفي سنة 1919 قرر الشيخ الإبراهيمي عقد قرانه فتزّوج بامرأة تونسية المولد، تركية الأصل، كان قد تعرّف على عائلتها في المدينة المنورة.
- رفضه لمنصب إدارة المعارف في المدينة المنورة.
في شهر مارس 1920 تم تنصيب فيصل بن الحسين ملكا على سوريا (التي كانت تعني آنذاك كامل بلاد الشام) الذي التقى بالشيخ الإبراهيمي وعرض عليه منصب إدارة المعارف في المدينة المنورة. ولكن الشيخ الإبراهيمي رفض العرض الذي قدمه له الملك شريف حسين، ثم بعد معارك كبيرة استطاعت القوات الفرنسية في شهر يوليو من سنة 1920 الدخول إلى سوريا لتُعلن في شهر سبتمر “دولة دمشق المصغرة“ ضمن خطة الانتداب الفرنسي لتقسيم سوريا إلى دويلات. عندها قرر الشيخ الإبراهيمي العودة إلى الجزائر.
- عودة الإبراهيمي إلى الجزائر والتقائه بالإمام ابن باديس.
ومباشرة مع نزوله إلى الجزائر أدرك العمل الكبير الذي قام به الإمام ابن باديس في قسنطينة. قال الإبراهيمي في هذا الشأن: “ورجعتُ إلى الجزائر فلقيني (ابن باديس) بتونس، وابتهج لِمَقْدَمي أكثر من كلّ أحد لتحقيق أمله المعلّق علَيْ، وزُرته بقسنطينة قبل أن أنقلب إلى أهلي، ورأيت بعيني النتائج التي حصل عليها أبناء الشعب الجزائري في بضع سنوات من تعليم ابن باديس، واعتقدت من ذلك اليوم أنّ هذه الحركة العلمية، وأنّ هذه الخطوة المسددة التي خطاها ابن باديس، هي حجر الأساس في نهضة عربية في الجزائر، وأنّ هذه المجموعة من التلاميذ التي تناهز الألف هي الكتيبة الأولى من جند الجزائر”
- عودة الإبراهيمي إلى مسقط رأسه.
عاد الإبراهيمي واستقر بمدينة راس الواد ولاية سطيف، واستطاع أن يحصل على مكان لإلقاء الدروس الدينية وعقد الندوات العلمية.
فرّق الإمام الإبراهيمي بين التعليم والتدريس الذي جعله عملا تطوعيا، وبين العمل الذي يسترزق منه، حيث اختار لنفسه مهنة التجارة، منها أنه يحصّل بها قوت يومه، ومنها أنه يموه بها على المستعمر الذي ضل يراقبه من يوم أن حط رحاله بالمدينة.
واظب الإبراهيمي على إلقاء الدروس في المدينة والمدن المجاورة لها، كما انتهز فرصة وجود زاوية في مدينته ليقي فيها سلسلة دروس في الحديث النبوي.
وبعد سنوات قليلة من العمل أدرك الشيخ الإبراهيمي بأنّ مدينة راس الواد مدينة صغيرة وأكثر سكانها من كبار السن، لذلك قرر تحويل وجهته إلى ولاية سطيف بحكم أنّ مدنها كبيرة وتعجّ بالشباب.
- جمعية الإخاء العلمي









