الشيخ المجاهد سي الحاج محند الطيب (1934/ 2026)

بقلم الأستاذ محمد يعقوبي “كاتب صحفي”
وُلد الشيخ سي الحاج محند الطيب يوم 20 جوان 1934 ببلدية إيفرحونن بولاية تيزي وزو، في أسرة محافظة تشبعت بقيم الدين والعلم، فنشأ منذ طفولته على محبة القرآن الكريم والتعلق بالعلم الشرعي. بدأ مسيرته التعليمية في الكُتّاب حيث أتم حفظ القرآن الكريم، ثم واصل طلب العلم بزاوية سيدي عمر ولحاج، قبل أن يلتحق بمعهد ابن باديس بقسنطينة الذي كان آنذاك من أبرز معاقل الحركة الإصلاحية والعلمية في الجزائر، فنهل من علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية والتربوية، وتأثر برواد النهضة الوطنية والفكر الإصلاحي الذي حملته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وخلال سنوات الاستعمار الفرنسي عُرف بروحه الوطنية والتزامه بقضايا شعبه، فشارك في جهود التوعية والتعليم والحفاظ على مقومات الشخصية الجزائرية، الأمر الذي عرضه للاعتقال من قبل سلطات الاحتلال. غير أن ذلك لم يثنه عن أداء رسالته، بل زاده إيماناً بأهمية العلم والتربية في صناعة الأجيال وحماية الهوية الوطنية.
وبعد الاستقلال انخرط في بناء المدرسة الجزائرية الحديثة، فعمل أستاذاً للغة العربية بعين طاية ثم بولاية تيزي وزو، قبل أن يلتحق بمركز تكوين المفتشين بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبة بالعاصمة، ليتخرج مفتشاً للتعليم ويباشر مهامه في عدد من مناطق وقرى ولايتي تيزي وزو والبويرة. وقد عُرف خلال تلك المرحلة بصرامته العلمية وحرصه على ترقية مستوى التعليم واللغة العربية، وبقربه من المعلمين والتلاميذ، حيث ترك أثراً تربوياً وإنسانياً لا يزال حاضراً في ذاكرة كثير ممن عرفوه أو تتلمذوا على يديه.
وفي نهاية سنة 1985 انتدبته الدولة الجزائرية إلى فرنسا مفتشاً لتعليم اللغة العربية لأبناء الجالية الجزائرية، فعمل هناك لمدة أربع سنوات على خدمة اللغة العربية والمحافظة على الصلة الثقافية والوجدانية بين أبناء المهاجرين ووطنهم الأم. وبعد عودته إلى الجزائر واصل أداء رسالته التربوية مفتشاً بمنطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى غاية إحالته على التقاعد، غير أن التقاعد الإداري لم يكن نهاية عطائه، بل بداية مرحلة جديدة من العمل العلمي والدعوي والثقافي.
فقد ظل حاضراً في الحياة الدينية والفكرية، إماماً وأستاذاً متعاقداً مع قطاع الشؤون الدينية والأوقاف، ورئيساً لمجلس “اقرأ” بمؤسسة المسجد، وعضواً في لجنة الفتوى والصلح، كما اختير وسيطاً قضائياً لدى مجلس قضاء تيزي وزو. وشارك في العديد من الندوات والملتقيات العلمية والإعلامية داخل الجزائر وخارجها، وكان محل تقدير واسع لما عُرف عنه من حكمة وتواضع وسعة اطلاع واعتدال في الرأي.
ويُعد مشروع ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية وكتابتها بالحرف العربي أبرز إنجازاته العلمية والثقافية وأكثرها تميزاً. فقد كرس سنوات طويلة من عمره لهذا العمل، مدفوعاً بإيمانه العميق بأن القرآن الكريم رسالة هداية للعالمين، وأن تقريب معانيه إلى الناس بلغاتهم يندرج ضمن خدمة الدين والعلم والثقافة الوطنية. ولم تكن تلك الترجمة مجرد جهد لغوي، بل كانت ثمرة معايشة طويلة للنص القرآني وتدبر معانيه واستيعاب خصوصيات اللغة الأمازيغية وثرائها التعبيري.

وقد حظي الشيخ الراحل بتقدير واسع من الأوساط العلمية والثقافية والإعلامية، وتلقى العديد من التكريمات الوطنية اعترافاً بمسيرته الحافلة. وكان من أوائل تلك الالتفاتات تكريم جريدة الشروق اليومي له قبل نحو 15 سنة بمبادرة من رئيس تحريرها آنذاك الإعلامي محمد يعقوبي، كما كُرّم في مناسبات عديدة ضمن فعاليات منتدى الحوار الثقافي والفكري، إضافة إلى تكريمات أخرى من مؤسسات وهيئات علمية وثقافية وطنية نظير ما قدمه للقرآن الكريم وللتربية ولخدمة اللغة العربية والأمازيغية.
وتبقى علاقته بالقرآن الكريم من أجمل صفحات سيرته؛ فقد عاش معه حافظاً ومعلماً ومتدبراً وخادماً لمعانيه. وكان يرى في القرآن مصدر الهداية والوحدة والسمو الروحي، ولذلك أفنى جانباً كبيراً من حياته في تعليمه ونشر قيمه والدفاع عن رسالته الحضارية. وقد تحول مشروع ترجمة معانيه إلى رسالة عمر حقيقية، جسدت وفاءه للقرآن وللوطن وللأجيال القادمة.
برحيل الشيخ سي الحاج محند الطيب فقدت الجزائر واحداً من رجالاتها الذين جمعوا بين التربية والعلم والدعوة وخدمة الثقافة الوطنية. غير أن الأثر الذي تركه في تلامذته وطلابه وقرائه، وما خلفه من أعمال وجهود ومبادرات، سيبقى شاهداً على حياة حافلة بالعطاء والإخلاص، وعلى مسيرة رجل جعل من العلم عبادة، ومن القرآن الكريم رفيق دربه حتى آخر أيامه.







