حسين آيت أحمد (الحلقة الأولى) الأزمة البربرية

وإنني على وعي بتحمل مسؤولية كبيرة أمام الأجيال الجزائرية الشابة، وأنا أضع بين يديها ما أعرف عن الموضوع. فلنبدأ إذن بالوقائع كتاب: حسين آيت أحمد .. روح الاستقلال .. مذكرات مكافح ص197 فما بعدها.

حسين آيت أحمد

تلكم اعتبارات أولية، تفسر – ولو جزئيا – ما سمـي بـ “المؤامرة البربرية” و “المؤامرة الكولونيالية”. وهي أزمات حادة فككت حزب الشعب (الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية) في وقت كانت فيه الأمة الجزائرية على وشك الإدماج، وعلى أهبة خوض الكفاح التحرري، إنها تعطي عناصر تفسيرية وليست تبريريه لما حدث من أزمة هوية زعزعت الحركة الوطنية في عام 1949 ، وما تزال إلى يومنا هذا تنغص طمأنينة المجتمع الجزائري.
فلننظر في البداية في “المؤامرة البربرية”، وقبل كل شيء هل كانت هناك مؤامرة حقا ؟
كيف تجلت ؟ ما هي أهدافها؟ ومن كانوا الفاعلين الحقيقيين فيها؟ وإنني على وعي بتحمل مسؤولية كبيرة أمام الأجيال الجزائرية الشابة، وأنا أضع بين يديها ما أعرف عن الموضوع. فلنبدأ إذن بالوقائع ….
في عام 1949 أرسل “واعلي بناي” إلى فرنسا طالبا قديما من ثانوية بن عكنون، “محند سيد علي يحي” (المدعو رشيد) ليواصل دراسته التي أوقفها في 1946، عندما وضع نفسه تحت تصرف الحزب بمنطقة القبائل.
وصل إلى باريس في جو تعاظم فيه نشاط الوطنيين. لم يتأخر “علي يحي” ليصبح عضو اللجنة الفيدرالية لحزب الشعب – الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية. ولم يكن ارتقاؤه هذا بفعل مزايا شخصية أو مجهودات خاصة ، بل كان نتيجة للأصداء المترددة في الأوساط القبائلية المهاجرة في باريس للنمو العظيم للحس الوطني في جبالنا.
بالفعل لم يكن ضمن فريق القيادة للإقليم، ولم يشارك في الأحداث الكبيرة التي دفعت بنا رغما عنا نحو تحمل هذه المسؤوليات.
لما التحق بنا “علي يحيى” في عام 46 ، وجدت صعوبة لإدماجه في هياكلنا في قريته أولا، وبعدها على مستوى دواره الأصلي الذي هو أيضا الدوار الذي أنتمي إليه. وتعود هذه الصعوبة إلى سببين : أولهما أنه ابن أخ القائد الذي كان يعرف الجميع أنه الذراع الأيمن للإداري الفرنسي (دومونت). إضافة إلى ذلك ، كان أبوه يخضع للحالة المدنية الفرنسية.

فوجد نفسه محاطا بنفس الرببة التي لم تكن (عقابا بل احتياطا للمستقبل) كما كان يقول “فوستال دوكو لانج” في كتابه “المدينة العتيقة”

شخصيا، لم تكن لي تحفظات تجاه “علي يحي” – بالرغم من التعارض التقليدي بين عائلتينا – فقد فرضته على عائلتي لأنني لم أكن أستطيع أن أتجاهل رغبته المثيرة للشفقة في الاندماج الاجتماعي والسياسي. وقد كان كان أول عمل شارك فيه إلى جانب اثنين من أعمامي واحد المناضلين الشباب من قريته، رمضان آیت السعيد هو الحملة الليلية لكتابة النداءات لمقاطعة انتخابات المجلس التأسيسي الثاني في ماي 1946.
قد يكون بلعيد آيت مدري، مسؤول ناحية ميشلي قد جعله يشارك في اجتماعات ونشاطات عامة ، ولكن كانت لديه تحفظات كبيرة تجاهه تجعل من المستبعد أن يكون قد أشركه في مشاكلنا الكبيرة، وفي نظرتنا المشتركة للمستقبل. لم يسمع الكثير عن آيت سعيد وآيت مدري لأنهما كانا من الأشخاص المتواضعين الذين صنعوا صيت الثورة الجزائرية.

لقد كانت عملية الامتصاص التي انطلقت من الجزائر، من جراء نشوة الشرعية، تجذب النشطاء الراغبين في البروز أو الترقية من كل أرجاء البلاد. ولم يقاوم علي يحيى هذا الفاصل من الوقت الذي حدث فيه – وبصورة هادئة – تحول في الاهتمامات والأولويات. فذلك” الذئب الصغير ” ما كان مقدراً له أن يكون ذئبا، بل مجرد شاب يخدم بلده، لولا التحول والانعراج الانتخابي للحزب.

وها هو تملؤه الخيبة لعدم مشاركته في الأحداث الكبرى لعام 1945 يكشف عالم الأفكار وينغمس في صخب المقاهي والنقاشات الكبرى للقرن التي كانت تتواصل في مقر جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين الموجود في شارع “ميدي”. هناك التقى بمن كانوا يكبرونه سنا كالمحامي تحت التمرين مبروك بالحسين، وطالب الحقوق يحيى حنين وطالب المدرسة الإسلامية سعيد أو بوزار، وأحيانا طالب الطب الصادق هجرس.

وقد بدأ وأنهى دراسة الحقوق ؛ لكنه خلالها تسبب في اندلاع كارثة سياسية حقيقية.

ففي نهاية 1948، في وقت تمت المصادقة بزدّين على تقريري، وفي وقت كان فيه الجناح الثوري للحزب يحاول إخراجه من انسدادات الانغلاق في الشرعية، وتحويل التفكير حول المسائل الكبرى التي تطرح في أفق الحرب التحريرية، في هذا الوقت أشهر علي يحيى من باريس راية الانشقاق.
قام بمبادرة تمثلت في جعل اللجنة الفيدرالية تصوت على قرار يدافع عن أطروحة الجزائر الجزائرية، ويدين أسطورة الجزائر العربية الإسلامية وتمت المصادقة عليه بـ 28 صوتا من مجموع 32 وأدى ذلك إلى حملة شنتها فيدرالية فرنسا لحزب الشعب (الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية) ضد التوجه العربي الإسلامي للحزب.

منذ تلك الحادثة، ألصقت بالقبائل – ويجب ذكر الأشياء كما هي – تهمة “البربريزم” مع كل ما تحمل العبارة من إيحاءات لاعقلانية وسلبية، والتي ترتبط بوظيفة “الفزاعة”.

يحدث هكذا أحيانا، وكأنها حبات رمل تمنع آلة من الحركة؛ إذ يوصل أشخاص مغمورون الأمور إلى نتائج مبالغ فيها في الحياة السياسية.

ردت القيادة على الفور، وأرسلت جماعات “كومندوس” من المناضلين لاسترجاع مقرات حزب الشعب (الحركة من اجل انتصار الحريات الديمقراطية) في باريس وفي المدن الفرنسية الداخلية. وأدى ذلك إلى إقصاءات ومشاجرات

الهامش(ضرب محمد خيضر نائب الجزائر خلال اجتماع بمدينة روان وجرح عدد من المنناضلين وتطلب إدخالهم إلى المستشفى).

وتفاقم الأهواء. كنت آنذاك أوجه كل قواي نحو المنظمة الخاصة. ولم أسمع إلا بطريقة عرضية بفعلة علي يحيى الصغير، اتصلت على الفور بمحند أمقران خليفاتي الذي كان قد خرج منذ وقت قريب من سجن لامبيز (تازولت) حيث كان يقبع منذ مارس 1946 (أخبرني عن فترة الاعتقال هذه أنها كانت أشد قسوة من سابقاتها التي عاشها تحت حكومة فيشي في معتقل جنين بورزق)

قلت ومازلت أقول أنه حامل راية اللغة الامازيغية

الهامش(حتى بعد ذلك الوقت، ظل يرفض الكتابة باللاتينية والتيفتاغ على حدّ سواء)

وبالتالي وطني جزائري أصيل، خليفاتي رجل مطبوع على الوفاء، وفي للغاية الاستقلالية، مثلما كان جده أمجاهيد (المجاهد). كما أنه رجل وفي لدينه يؤدي صلاته بمثابرة وتفان – لكنه كان يعمل في نفس الوقت – على عدم إقحام الدين على السلطة السياسية. وكان وفيا أيضا للأبجدية البربرية التي صاغها بنفسه، مثلما كان وفيًا لطريقته الخاصة في اللباس.

كان خليفاتي يحظى باحترام عام في المجتمع القبائلي؛ وقد جعل منه القمع الاستعماري مؤسسة وطنية حقيقية، فيما جعلت منه الحياة الجماعية رجلا حكيما. وإذا كان هناك شخص يستطيع وضع حد للتصرفات اللامسؤولة لعلي يحيى في فرنسا، فهو خليفاتي لا غير.التقينا في باب الوادى بالقرب من ملعب مارسيل /سردان وتحدثنا طويلا. هو رجل الأرض العميقة، ورجل المنطق والبصيرة، له حس قوي بالأمور المستعجلة وذات الأولوية. وإذا كان يحبذ بقوة أن يتكفل البرنامج الوطني باللغة الامازيغية، إلا أنه كان يرى أن الحزب. والمجتمع الجزائري عموما مازالا غير مهيئين للخوض في هذه المسألة. وكان يرى أن الأهم في ذلك الوقت هو تجنيد الجماهير؛ وبالتالي كان متفقا معي على أن لا نترك طيشا صبيانيا يهدر تلك القدرة الثورية الكامنة والهائلة التي تطورت في القبائل، بإعطاء الحجة للجناح المحافظ في القيادة للقيام بمنعرج نحو اليمين تحت غطاء إعادة الناس إلى الصف.

بعد أن أعرب عن اتفاقه مع الحجج التي طرحتها، غادر خليفاتي في الصباح متوجها إلى فرنسا، كان بإمكانه تطويق الأزمة وتقليص الانعكاسات السلبية، لو لم يقم مصالي الحاج بإرسال النقيب صادوق سعيدي الذي بقي وفيا له مدى الحياة والدكتور مصطفاي وراجف لدعم العناصر الوفية للقيادة في فدرالية فرنسا.ساهم النقيب السعيدي إذن في ربيع 1949، في عمليات استرجاع الأمن الداخلي بحماس (وإعادة استتباب الأمن)، لأنه – هذه المرة –  كان لديه الإحساس بأنه في الصف المناسب. ومع أن انتصاره لم يكن نتيجة عمل بطولي فكان من شأنه على الأقل منحه عذرية جديدة.أدت المعركة التي أطلقها علي يحيى إلى هزيمة كبيرة، وأرسل إلى واعلي بناي مستنجدا . ودون أن يستشير السي واعلي أحدا ، أو يُعلم رفاقه، توجه على الفور إلى وهران ليركب في اتجاه مرسيليا. كان رد فعله يشبه رد فعل أب ايرلندي هادئ عندما يرى عراكا فهو يشارك في العراك ولا يسأل عن أسبابه إلا بعد انتهاء المعركة.

ولكن ما حدث أن السي واعلي – الرجل الذي يثير رعب الشرطة، التي أعلنته عدوا عموميا رقم – واحد تم اعتقاله حين كان يتأهب للركوب. وقد أحدث اعتقاله صدى قويا ورأت القيادة فيه دليلا على أن علي يحيى كان مسيرا من طرف مصالح الشرطة ورد على ذلك من يعرفون بـ “البربريست”، متهمين القيادة بالإبلاغ عن واعلي بناي، لأن اعتقاله يخدم قضية “العروبيين”.ومما زاد صب الزيت على نار الأهواء والريبة والاتهامات المتبادلة أن المسؤولين في منطقة القبائل بدءوا يسقطون الواحد تلو الآخر في يد الشرطة. اعتقل عمار ولد حمودة في ترام العاصمة، كما اعتقل سعيد أوبوزار – المسؤول السياسي لناحية تيزي وزو – في العاصمة وكان وحده. وفي الجزائر العاصمة دائما، طوق عمر أوصديق في حديقة مارينغو وألقي القبض عليه، بعد أن حاول الفرار حافيا عبر ممرات الحديقة. وكان عمر حافيا لأنه جلس لتوه على مقعد حتى يلبس “صندله” عندما فاجأته الشرطة، ولم يكن لديه الوقت الكافي للبسه

الهامش (الرقيمي الذي كان آنذاك مساعد لبودا في التنظيم السياسي والذي كان أعطى لعمر أو صديق آخر قائمة للمناضلين الذين سيتحولون للمنظمة الخاصة شاهد المطاردة)  

وبعد أيام قليلة اعتقل مسؤول المنظمة الخاصة للقبائل الصغری عمر بوداود لدى وصوله إلى الحافلة القادمة من الجزائر إلى بغلية.

لم يبق في منطقة القبائل كلها إلا مسؤول واحد لم يقع في الشبكة هو بلعيد آيت مدري. بالنسبة له – وكان ذلك رأي رفاقه المعتقلين أيضا – أن هذه السلسلة من الاعتقالات لا يمكن أن تكون إلا نتيجة تواطؤ عضو أو عضوين من القيادة مع القوة الاستعمارية.

لا أزال أحس – حتى الآن – بالوطأة اليومية الكبيرة لمأساة صيف 1949 هذه عبر الكثير من الذكريات. إنها لمصيبة، وكارثة سياسية. كان التنامي الهائل للوطنية الثورية قد وصل إلى القمة، وها هو يتهاوى نحو المنحنى الحقير للانفجار الداخلي.

أول رد فعل لي كان محاولة تطويق حجم الخسائر، والعمل – مهما كلف ذلك على الحفاظ على وحدة الحزب. غير أن هامش حركتي بدأ يتقلص من تكاثف نيران الاتهامات المتبادلة

الهامش (منذ ذلك الوقت أصبحتُ أنا أيضا تحت الرقابة على أساس أنني بربريست” لأنني برمجت عملية تهريب واعلي بناي كنت طلبت الإذن للقيام بالعملية ولم يعط لي بصفة واضحة ولم يمنع أيضاً توجهت فورا إلى وهران وكان قائد المنطقة للمنظمة الخاصة الحاج بن علة ( سيكون الذراع الأيمن لبن بلة بعد الاستقلال ثم رئيسا للمجلس الوطني ( على أتم الاستعداد لمساعدتي ، كما تحصلت على المساهمة الفعالة لرجل من بلدتي ، الخياط بن علي ابن قرية تاسافت قرية عميروش ، وكان رئيس بلدية منتخب في قائمة الحركة من اجل انتصار الحريات الديمقراطية . غير ان واعلي بناي حول في اليوم الموالي نحو الجزائر تمكنت مع او صديق من تحديد تواجد السجين ببرج منايل بمقر الشرطة أين جاء لاستنطاقه مسؤولون في الشرطة من العاصمة . ويمكن ان نتصور ماذا كان ينتظر هذا “الصيد الثمين” . قمنا بتحضير فرقتي كومندوس للتدخل عند تحويله إلى السجن نحو الجزائر أو تيزي وزو . كانتا مدججتين بالسلاح يقودهما عمر بوداود وأخوه الصغير موح ارزقي . ولم تتم العملية لان بناي حول إلى سجن تيزي وزو عشرة أيام من بعد دون أن نتمكن من الحصول على المعلومة في وقتها من مصادرنا . كانت المرة الوحيدة التي جعلت فيها المنظمة الخاصة تتبنى مخاطرة خارج غايتها)



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى