الأستاذ مالك بن نبي: شهادة من أجل مليون من الشهداء

المصدر: كتاب شاهد على اغتيال الثورة للمجاهد لخضر بورقعة .. ص 317 – 322

كنا في انتظار المفاوضات التي ستضع كلمة الختام في تلك الصفحة الرائعة والأليمة التي كتبها الشعب الجزائري في التاريخ بدمه الزكي.

وإذا بالصحافة توقظنا ذات صبيحة لتخبرنا بأن المفاوضات قد انتهت بمدينة “إيفيان” وكأننا مررنا بمنطقة ظلام أخفت مؤقتا عن الأنظار بعض الحقائق التي لم يكن الاستعمار يرغب أن يعلمها الشعب الجزائري.

ولكن هذا الشعب سيُدعى على أي حال لتقرير مصيره، وهو يعلم أي ثمن فادح قد دفع لاكتساب هذا الحق.

ولو كان الموت هو المرجع الوحيد لتقدير هذا الثمن فلا شك أن شهادة المقبرة الهائلة التي تجمعت فيها رفاة مليون من الشهداء، لكافية لتقديره، ولإلزام كل جزائري بأن يقوم بواجبه كشاهد حتى لا يذهب سدى هذا الثمن الفادح.

وربما شعرت بهذا الالتزام أكثر من غيري لأنني عندما نزلت القاهرة سنة 1956 لأضع قلمي وشخصي في خدمة الثورة أبت الأقدار إلا أن تضعني منها موضع الشاهد لأسباب سأعلنها يوم يحاسب الشعب الجزائري كل فرد من الذين كانوا بالقاهرة – هذه الفترة عن أعماله.

وعليه فمن واجبي أن أقوم بدور الشاهد بكل إدراك لمسؤوليتي في هذا الدور.

وإنني أشعر بهذا الواجب بصورة خاصة في الوقت الذي سيقوم فيه الشعب الجزائري بآخر وأخطر عمله الثوري، إذ هو العمل الذي سيحقق كل نتائج ثورته، أو يعرضها للتلف، إذا ما – لا قدر الله –  لم يكن لديه من المعلومات ما يجعله يتخذ الاحتياطات اللازمة أثناء الاستفتاء وخلال الانتخابات التي تتبعه.

ولو أردت أن أعبر عن شعوري بكل وضوح للزم أن أكتب كتابا لأصف وضعاً قد يكفي أن نقول عنه أنه فاجأنا بتفاصيله الغريبة من حين إلى آخر، عندما نرى مثلا القاضي الخضري وهو من هو يتكلم للشعب الجزائري من صوت العرب؟ أو نرى عبد الرحمن اليعلاوي يتولى في دمشق الإشراف على حسابات الثورة… إلخ إلخ ! إلخ …

وهذا الوضع هو الشيء الذي يجب اليوم على الشعب الجزائري أن يعرف حقيقته حتى لا يضع بناءه السياسي والاجتماعي بعد الاستقلال على أرض تغوص فيها الأقدام في الخيانة والمكر، واللامسؤولية، ومن حقه أن يعرفه قبل
أية انتخابات مزعومة يستعد لها كل زعيم للانتصار على غريمه للاستيلاء على مصير الشعب الذي سيبقى هكذا في أيد تتقاذفه من الحكيم بن جلول إلى مصالي الحاج، ومن هذا إلى فرحات عباس وفرانسيس، ومنهما إلى بن خدة وبوالصوف، ومنهما إلى زعيم آخر، كل يلعب ويعبت كيفما شاء بمقدرات الشعب ومعنوياته على الطريقة التي بريدها الاستعمار ويؤيدها علنا أو خفية !

يجب أن ينتهي هذا الوضع المخزي، ولن ينتهي أبدا على يد أي زعيم يرغب في إبقاء هذا الوضع لحسابه، وإنما سينتهي على يد الشعب نفسه على شرط أن يعرف الحقيقة التي اتفق إجماع الزعماء على إخفائها  ..

ولهذا نقترح عقد مؤتمر شعبي عاجل بالمقبرة التي تضم جثمان مصطفى بن بولعيد وأن يشكِّل هذا المؤتمر على الفور لجانا تختص كل واحدة منها بالتحقيق في نقطة من النقاط الآتية وهي ملزمة بتقديم تقريرها في وقت معين قبل إجراء أية انتخابات في الوطن :

1- تحقق عن الظروف المريبة التي تكونت فيها بالعاصمة (الجزائر) منذ شهر أفريل 1955 قيادة منفصلة عن قيادة الثورة بجبل الأوراس وتؤكد انفصالها بلقبها المستعار (ZAA) أي القيادة المستقلة لمنطقة العاصمة.

ومن المعلوم أن هذا السلوك يخالف تماما مبدأ «وحدة القيادة» الذي يجب التمسك به في الحروب العادية وفي الحروب الثورية على وجه الخصوص، حيث يؤدي كل ازدواج في القيادة إلى تبديد الطاقات الثورية حتى على فرض أن تصدر كل قيادة نفس التوجيهات التي تصدرها الأخرى بينما رأينا قيادة العاصمة تتخذ قرارات تخالف تماما خطة القيادة “بالأوراس”، مثل الدعوة إلى مؤتمر الصومام في 20 أغسطس 1956 وتأسيس مجلس التنسيق والتنفيذ (CEE)  الذي عبر تأسيسه عن قلب النظام الثوري رأسا على عقب، حيث كانت نتيجته الأولى تقرير أولوية الجانب السياسي على الجانب العسكري في قيادة الثورة وتوجهها، أو بعبارة أخرى وضع مصير بن بولعيد وإخوانه المجاهدين تحت سلطة السيد فرحات عباس وفرانسيس وبن خدة إلخ … حتى خرجت الثورة من يد الأبطال الذين أسسوا جيش التحرير (ALN) وأصبحت بيد أولئك السياسيين الذين كونوا نقابة لرعاية مصالحهم أطلقوا عليها اسم «جبهة التحرير» (FLN) لإغراء الشعب بالألفاظ.

ومن تتبع بإمعان تاريخ هذه الفترة قد لاحظ بدون أي شك التغيرات العميقة التي حدثت في جهاز الثورة كله حتى يستطيع المؤرخ الخبير أن يعبر عن الوضع الجديد بأنه كان في الحقيقة حركة ضد الثورة توجهها من بعيد أيدي خفية من “باريس” و”العاصمة”، حركة مُقنّعة تفاجئنا أحيانا بتفاصيلها الغريبة مثل التي ذكرنا والتي لم نذكرها عندما يُنَصبُ على وجه المثال رجل كاليزيد الذي أذعرني جهله (يوم اكتشفت ذلك في مناسبة معينة) في منصب وزير استعلامات !؟

فهذا الوضع الغريب هو الذي يزحف الآن إلى حلبة الانتخابات المقبلة ليصبح الوضع الشرعي في الجزائر المستقلة.

2 – تحقيق عن الظروف المريبة التي وجد فيها حتفهم أولئك الرجال الذين قادوا الثورة في خطواتها الأولى “مصطفى بن بولعيد” “عباس لغرور”، “يوسف زيغود”، “بن مهيدي” “عميروش” “الكولونيل محمد الباهي”، “عبد الحي” إلخ …!

وربما يكشف التحقيق عن صلة مقتل هؤلاء الرجال بأولئك الذين نصبوا أنفسهم قيادة مستقلة بالعاصمة في شهر أبريل 1955، والذين كانوا يهدفون بكل وضوح إلى الاستيلاء على مقاليد الثورة كما يبدو ذلك أيضا في اختطاف بن بلة. (دون أن يجعلنا قولنا هذا مرتبطين بأي زعيم من الزعماء وإنما نقوله لمجرد إجلاء الحقيقة للتاريخ)

 3 – تحقيق عن تصرف القيادة التي كونها مؤتمر الصومام من وجهتين:

أ – أن القيادة الفرنسية استطاعت أن تنشئ خط موريس المكهرب بكل هدوء دون أن تقوم القيادة الجزائرية الجديدة بأي مجهود يبطل هذا المشروع أو يعطله على الأقل.

ب – وعلى العكس نرى القيادة الجزائرية تعطل فى هذه الفترة بالذات تموين الجيش في الداخل بالسلاح والذخيرة، بل تبطله في الوقت الذي كان يجب فيه تنشيطه نظراً لبناء “خط موريس”

ومن الواقع نرى النشاط الثوري كله يخمد منذ مؤتمر الصومام ونرى الوحدات المقاتلة التي كانت تقف في وجه الاستعمار في الداخل تسحب بالتدريج على الحدود شرقا وغربا كأنما إرادة خفية تُنشئ بذلك موقفا يتيح للقوات الاستعمارية أن تسترجع الأنفاس التي فقدتها خلال معارك 1954 – 1955 حتى أنه يمكننا أن نقرر للتاريخ أن آخر معركة تذكر هي التي خاضتها القوات الثورية بجبل “أرقو” في خريف 1956. وبعدها سيصبح جيش التحرير الظافر الذي كان قوة الشعب الضاربة فى معاركه الخالدة مجرد قوة استعراض يستخدمها الزعماء لدعايتهم في المهرجانات الصحافية على الحدود  ..

4 – تحقيق عن الظروف المريبة التي انضم فيها بعض القواد الجزائريين العاملين بالجيش الفرنسي إلى جيش التحرير، ولماذا وقع انضمام بعضهم مثل المدعو “الكومندان إيدير” عن طريق قيادة العاصمة عوض أن يكون عن طريق قيادة جبل «أوراس»، بينما كان هذا الضابط يعمل في وحدة فرنسية تقيم بمدينة “خنشلة”

ومما يلاحظ أن هؤلاء الضباط تناولوا مناصب مرموقة في جيش التحرير، وهي المناصب التي جرَّدوا منها أصحابها الذين استحقوها لخدمتهم في صفوف الثورة منذ اليوم الأول، بل نرى أصحابها قد قتلوا في مؤامرات اغتيال شنيعة، مثل مصطفى الأكحل الذي اغتاله جهارا السيد بوصوف بالقرب من مدينة الكاف التونسية، وبعضهم جُرد من منصبه وترك وشأنه بلا زاد ولا راحلة في شوارع تونس أو الرباط.

5 – تحقيق عن اغتيال المرحوم “عميرة علاوة” في مقر الحكومة الجزائرية المؤقتة “بالقاهرة” لأنه اكتشف أثناء مهمة توجه فيها إلى «بيروت» اتصالات مريبة تخص السيد فرحات عباس.

6 – تحقيق عن تصرف الحكومة الجزائرية المؤقتة مع الطلبة الجزائريين في الخارج لوضعهم تحت تصرف جهاز نقابة جبهة التحرير (FLN) حتى أن الطالب الجزائري فقد شخصيته وأصبح آلة يوجهها السيد كريم بلقاسم لمصالح معينة، بحيث فقد الطالب كل استعداد للقيام بواجبه وقيد فعلا نشاطه بصورة لم يكن يعرفها حتى أيام الاستعمار.

7 – تحقيق عن تصرف الحكومة الجزائرية المؤقتة في أموال الثورة من وجهتين:

  • من الوجهة الفنية لعقد المقارنة بين الميزانية التي خصصتها هذه الحكومة للجيش والميزانية التي تخصصها للجهاز السياسي.
  • ومن الوجهة الأخلاقية للكشف عن التكاليف التي كانت هذه الحكومة تخصصها لأعضائها في السنوات الأخيرة.

8 – تحقيق عن كيفية تشكيل مجلس الثورة، وهل هو في صورته الراهنة يحقق تمثيلا كافيا للشعب الجزائري ولكافة مناطق الوطن تمثيلا حقيقيا.

9 – تحقيق عن الدوافع التي دفعت السيد بن خدة إلى الدخول في مناقشات ديبلوماسية بمدينة الرباط من أجل ربط الشعب الجزائري بفكرة “المغرب الكبير” دون مراجعة الشعب في الأمر أولا. والمعلوم أن حكومة ثورية مؤقتة ليس لها إلا أن تواجه مشكلات الثورة العاجلة.

ملخص :
وملخص شهادتي هو أنه يجب علينا أن لا نترك الشعب يخوض معركة انتخابية في الظلام الكثيف الذي يخفي على بصره الحقيقة المؤلمة التي أحاطت بثورته، والتي يحاول الزعماء – كل على شاكلته – إخفاءها إلى الأبد، والتي تتجلى في ذلك الواقع الذي كشفته لنا الأيام، وهو أن أيام الحداد والبؤس التي عاشها الشعب خلال الثورة كانت أسعد أيام زعمائه، أولئك الذين صرفوا دماءه في ولائمهم حيث تسكب الشانبانيا والويسكي كما يتصرف تماما أمراء العرب في بترول بلادهم لتشييد قصور ألف ليلة وليلة

ويجب أن نضيف إلى هذا أنها لم تصعد من فم عالم أو مثقف جزائري أثناء هذه المأساة المحزنة أية صرخة استنكار لإيقاظ الشعب لواجبه، بل كان كل واحد حريصا على أن يأخذ مقعداً في وليمة الزعماء، أو ينتظر دوره … بحيث يجب على كل جزائري صاحب ضمير أن يبلغ الشعب هذه الشهادة حتى يكون على بينة من الأخطار التي تهدد الحقوق والحريات المقدسة التي مات من أجلها مليون من أبنائه الشهداء وليكون على بصيرة من الأطماع الحقيرة التي تزحف نحو ثمرة ثورته لتجنيها من يده.

لتحميل شهادة الأستاذ مالك بن نبي من المصدر اضغط على صورة الغلاف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى