ـ سعي الجماعات المسلحة المتفرقة إلى التوحّد

      بعد أحداث “عملية الأميرالية” التقت “جماعة الملياني” مع “جماعة أحمد الود” التي قامت بعملية “قمار” وكلتا الجماعتين من الأفغان الجزائريين إلاّ أنّ الثانية كان أفرادها متأثرون بنظريات سيد قطب، واشتهر عن جماعتهم اسم “جماعة القطبيين” وعقدوا لقاء وحدة بينهما وتمّ تنصيب “منصوري ملياني” أميرا على الجميع ونائبه “أحمد الود“، ثم بعد اعتقال منصوري ملياني في شهر جويلية 1992 انتقلت إمارة الجماعة إلى نائبه “أحمد الود“. ومن الأسباب التي سهّلت تحقيق الوحدة بين الجماعتين هي قناعتهما بأن العمل المسلح وحده هو السبيل لإقامة الدولة الإسلامية وأنّه لا يمكن أن تقوم عبر صناديق الاقتراع والديمقراطية، وذلك لأنها كفر والتغيير عن طريقها غير مشروع، وبهذا فهم يختلفون تماما مع منهج الجبهة الإسلامية للإنقاذ الداعي إلى الانتخابات.

لقاء جماعة العاصمة بجماعة الغرب

     في هذه الأثناء كانت جماعة “محمد علال” قد قامت ببعض الأعمال المسلحة وتبنتها فذاع صيتها على مستوى الوطن خاصّة عند الجماعات المسلحة المتفرقة، وهذا ما أدّى بجماعة الغرب عند تأسيس جماعتهم إلى السعي للانضمام إليها، فقد قاموا بالاتصال بالشيخ “عبد الناصر علمي[1] وعقد معه “قادة بن شيحة العربي“المدعو “أبو عبد الرحيم”[2] و”جريري الطيب“”أبو جعفر محمد”[3] عَقَدَا عدة جلسات، وأول جلسة مع قادة بن شيحة كانت بحي “تيار” بمدينة بلعباس في شهر أبريل 1992 وبعد هذا اللقاء بأيام تم لقاء آخر بينهما بحي عبد القادر (القوادرية) بالمحمدية (معسكر) وتحدثا فيه عن أمور التنظيم ومنها ربط الاتصال بين “قادة بن شيحة” و”جماعة العاصمة” وبعدها بمدة توجه “قادة بن شيحة” إلى ديار الجماعة “باش جراح” “العاصمة” وهناك التقى ببعض أعيان جماعة العاصمة منهم: “جمال حوص” “نور الدين بوفارة” “محمد تبي” “عبد القادر (ازرق العينين)” “محمد ولد الحاجة” “حمزة “البليدة” “محمد “القصبة” وغيرهم لربط الاتصال بجماعة محمد علال “موح ليفي” فتم ذلك، واتفق قادة الغرب مع قادة الوسط على العمل سويا، وأصبحت جماعة بلعباس من ذلك الوقت جزءا من جماعة محمد علال بالعاصمة.

ظهور أول جماعة تتحدّث عن إلغاء الانتخابات

وبعد هذه الأحداث بحوالي شهرين وبالضبط في شهر جوان 1992 عشية بدأ محاكمة شيوخ الجبهة الإسلامية للإنقاذ وجّه “عبد القادر شبوطي” بيانا حمل الرقم (5) باسم “حركة الدولة الإسلامية” سماه “نداء الجهاد” توجّه فيه إلى الشعب الجزائري قائلا: «إنّ شيوخك سجنوا لأنهم قالوا كلمة حق وعدل، سجنوا لأنهم أرادوا دولة الإسلام ودولة الحق والعدل، لقد سجنهم الذين قادوا المؤامرة ضدّ الإسلام والجزائر بمصادرة اختيار الشعب…» نلاحظ من هذا البيان أنّه الزعيم المسلّح الوحيد الذي استعمل قضية إلغاء الانتخابات كحجة لمطالبة أنصار الجبهة للالتحاق به وجميع المسلمين لتأييده.

فهذه الجماعة التي كانت تصدر بياناتها تحت إمضاء الثلاثي “عبد القادر شبوطي” و”السعيد مخلوفي” و”عز الدين باعة” هي الجماعة الوحيدة التي كانت موالية للجبهة الإسلامية للإنقاذ وتتحدّث باسمها وباسم شيوخها خلافا لجماعة “الأفغان” سواء جماعة الملياني أو جماعة الجنوب التي انضمت إليها، فهم يعتقدون أنّ قادة الجبهة وقعوا في بدعة يعتقد أكثرهم أنها مكفرة وهي القبول بالديمقراطية ومزاحمة الأحزاب العلمانية في الانتخابات التشريعية.  

    وبعد ذلك سَعَت هذه الجماعة “حركة الدولة الإسلامية” لتكثير عددها وتكبير شوكتها فأقامت اتصالات مع جماعة “محمد علال” التي كان أغلب أفرادها من أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ، واتفقوا على عقد لقاء وحدة في جبال تمزقيدة ولاية البليدة.

لقاء تمزقيدة في صيف 1992

    وفي أواخر شهر جويلية من سنة 1992 عُقِدَ لقاء وحدة حضرته كلّ العناصر القيادية للجماعات المسلحة إلاّ الملياني وجماعته، وفي ذلك اللقاء تم اختيار “عبد القادر شبوطي” أميرا على الجميع وعلى كلّ القطر الجزائري، واتفقوا على أنّها الفرع المسلحة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتمّ تعيين “قاسم تاجوري” منسقا بين الفرع السياسي والفرع المسلّح. ووافق على هذه القرارات كلّ من كان حاضرا في الاجتماع[4]

سقوط أمير جماعة العاصمة “محمد علال”

      وبعد ذلك الاجتماع مباشرة وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ في تلك الأيام قبل الاجتماع بقليل ألقت قوات الأمن القبض على اثنين من أفراد الجماعات المسلحة في “منطقة البرواقية” ولاية المدية، أحدهما  “إ. ب” والآخر “ع.ص” – الأوّل حكم عليه بالإعدام وفرّ من سجن تازولت سنة 1994 وقتل سنة 1996، وأمّا الثاني فلا يزال لحد الآن مسجونا، حُكم عليه بالإعدام ثم بعد أن قررت السلطة الجزائرية في فبراير 1994 توقيف تنفيذ أحكام الإعدام تحوّلت عقوبته إلى المؤبد- بعد إلقاء القبض عليهما تمكنت قوات الأمن من الحصول منهما على معلومات عن مكان الاجتماع الذي حضرته قيادات كثيرة، عندها أسرعت قوات الجيش إلى محاصرة مكان الاجتماع واقتحامه وهو ما أدّى إلى وقوع اشتباك عنيف بين الجماعات المجتمعة وقوات الجيش أدّت إلى سقوط كلّ من “محمد علال” أمير جماعة العاصمة مع أحد أبرز مرافقيه وهو مساعده “نور الدين بوفارة” وأصيب عندها “عبد الحميد” شقيق حسين عبد الرحيم بإصابات بالغة في الرأس، وبعد هذه الأحداث فقدت الجماعات المجتمعة الثقة في بعضها إذ باتت كلّ جماعة تشك في الجماعة الأخرى بأنها مخترقة من طرف الأجهزة الأمنية، وأنها السبب فيما حدث، وكان السعيد مخلوفي أحد قيادي “حركة الدولة الإسلامية” من أكثر الذين طالتهم الشكوك بسبب خلفيته العسكرية إذ كان ضابطا في الجيش الجزائري. ومن ذلك الحين أصبح ذلك الاجتماع سببا في تفرّق الجماعات المسلحة، وأصبحت كلّ جماعة تسعى للحفاظ على كيانها بالطريقة التي تراها.

جماعة العاصمة وتغيّر الأفكار

      ما بين لقاء تمزقيدة الذي انعقد بين جماعة محمد علال وجماعة شبوطي والذي انهار بسبب اقتحام قوات الأمن له، واللقاء الثاني الذي عُقد في منطقة براقي بين جماعة محمد علال “عبد الحق العيايدة” وجماعة الأفغان” والذي شهد تأسيس الجماعة. بين هذين التاريخين الذي لا يتجاوز الشهرين، يظهر لنا من خلال البيانات التي نشرتها الجماعة المسلحة في أوائل سنة 1993 أنّ فكر “جماعة العاصمة” تغيّر كلّيا وأصبحت متأثرة بأفكار “جماعة الأفغان” التي أعلنت الوحدة معها، وإلاّ كيف نفسّر أنها قبل شهر من وحدتها مع جماعة الأفغان سعت إلى تحقيق الوحدة والعمل مع جماعة شبوطي “حركة الدولة الإسلامية” ورضيت به أميرا عليها ورضيت كذلك أن تصبح الجناح المسلحة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وبعد ما انهار ذلك الاجتماع واجتهدت في عقد لقاء وحدة مع جماعة الأفغان أصبحت ترى أنّ الجبهة وطريقتها في التغيير غير مشروعة، وأنّ الإسلام محال أن يمكّن له عن طريق صناديق الاقتراع، ففي نشرة الشهادة التي وزعتها الجماعة الإسلامية المسلحة بتاريخ 5 مارس 1993 نشرت فيها مقابلة مع أمير الجماعة في ذلك الحين “عبد الحق العيايدة” الذي أوضح فيها بعض الأمور المهمّة حيث قال عن العمل المسلّح: “يجب أن نبيّن أمرين هامّين:

أوّلا: نحن كنّا نُعِدّ من زمن بعيد لقتال هؤلاء الطواغيت، وما آمنّا في يوم من الأيام أنّ الإسلام يمكّن له عن طريق صناديق الاقتراع.

ثانيا: ونحن لم نكن ننوي الانطلاقة بعد، وكنّا نَعدُّ أنفسنا في مرحلة الإعداد، ولكن الله قدّر واضطررنا إلى إعلان الجهاد بعدما قتل الأبرياء العزّل وسجن الدعاة والمخلصون من أبناء هذه الأمّة وبدأت تصفية حقيقية لأبناء الحركة الإسلامية“.

     ذكرنا هذا الكلام حتى نبيّن بأنّ جماعة العاصمة بعد توحدها مع جماعة الأفغان تغيّر فكرها كليا، وأصبح واضحا من خلال بياناتها التي أضحت تنشرها تباعا، إذ بينت هذه الجماعة من هم المستهدفين بقاتلها، وإذا تكلمنا عن الصحافة نجد أنّ الجماعة هددتهم بالقتل في السنة الأولى التي ظهرت فيها إعلاميّا، وكذلك قامت بتصفية الكثير من إطارات ومفكّري الدولة، وهدّدت في هذه السنة أيضا عائلات قوات الأمن بالقتل انتقاما لاستهداف قوّات الأمن لعائلات المسلحين والتي لم يبدأ العمل الفعلي بها إلاّ في زمن “زيتوني”.

       وعن رموز الحركة الإسلامية قرّرت الجماعة أنّ كلّ من لم ليس معها فهو ضدّها، وهدّدت كلّ من يوالي هذا النظام بالقتل والتصفية، وسنأتي على دراسة هذه النقاط نقطة نقطة حتى نبين لهؤلاء الذين زعموا بأنّ الجماعة المسلحة في الجزائر كانت في أوّل أيامها على الطريق السليم والصحيح وأن نقطة تحوّلها ظهرت في أواخر سنة 1994 في زمن إمارة “جمال زيتوني”. أنهم مخطئون، وأنّ الخطأ الكبير الذي جرّ إلى كل هذه الأخطاء الكبيرة، والطامات الموبقة هي فكر الخروج في حدّ ذاته، وبذلك يتبين لنا بأن جماعة زيتوني لم تأتي بشيء جديد، بل قامت بعمل ما رُسِم لها من منهج الجماعة الذي ظهرت معالمه سنة 1993.


[1] “من مواليد سنة 1963 قتل في ولاية وهران سنة 1992”

[2] من مواليد 26 أبريل 1964 قتل يوم 27 سبتمبر 1996″

[3] ” من مواليد 22 ديسمبر 1963 قتل يوم 12 فبراير 1997″

[4] “رسالة مفتوحة إلى أمير الجماعة الإسلامية المسلحة جمال زيتوني، بتاريخ 8 جوان 1995 كتبها محمد بن حسين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى