ـ الجماعة المسلحة واغتيال الصحافيين وإطارات الدولة:

كانت الجماعة المسلحة من يوم تأسيسها ترى بأنّ العدوّ الحقيقي لها في هذه المرحلة هي الإعلام الموالي للنظام، وترى بأنّ الجريدة تستطيع أن تؤثّر في الرأي العام أكثر من أيّ وسيلة أخرى متاحة في تلك الأيام، ولهذا سعت إلى استعمال طريقة التصفية الجسدية لأجل تخويف الصحافيين وإسكاتهم ما دام أنّها فشلت في توقيفهم بمجرّد التهديد، جاء في البيان الذي حمل الرقم 2 المؤرخ في 12 جانفي 1993: “تحذّر الجماعة الإسلامية المسلحة الصحافة المرتزقة التي تشنّ حربا إعلامية ضدّ الجهاد والمجاهدين، وتعتم على الحقائق التي تجري في البلاد، وتعامل الجزائريين كأنهم من البله الأغبياء وتقول لهم ما يلي:

  • لن نقبل بعد اليوم تشويها للحقائق، وتعتيما على ما يجري في البلاد.
  •  فإن لم ينتهوا على ما هم عليه من الغي والصدّ عن سبيل الله لنقتلنّهم شرّ قتلة ولو تعلّقوا بأستار الكعبة”.

     بعد صدور هذا البيان ببضعة أشهر بدأت الجماعة في تنفيذ تهديدها، وبدأت في استهداف الصحفيين والمثقفين في منتصف 1993 بإصدار أمير الجماعة في ذلك الحين “جعفر سيف الله“”سيد أحمد مراد” بيانه الشهير الذي أعلن فيه أنّ “من يحاربنا بالقلم نحاربه بالسيف” وجاء في ذات البيان:” وعليه فإنّ موقف الجماعة الإسلامية المسلحة الشرعي من كلّ صحفي الإذاعة والتلفزة هو نفسه موقفها الثابت من المرتدين…

     ولذا فهي تدعو كلّ الصحفيين العاملين بالجهازين المذكورين – الإذاعة والتلفزيون- أن يتوقفوا مباشرة بعد هذا البيان عن ممارسة “الوظيفة الصحفية” وإلاّ فإنّ الجماعة ستواصل الضرب بقوّة كلّ من رفض الاستجابة الفورية”.

      وفي هذه الأثناء التي ظهرت فيه الجماعة بقوّة من خلال بياناتها الداعية إلى قتل الصحفيين والمثقفين الموالين للنظام، ظهرت جماعة أطلقت على نفسها اسم “الجبهة الإسلامية للجهاد المسلّح” والمشهورة باسم “جماعة الفدا” أسّسها “عبد الوهاب لعمارة” و”عبد الحميد بوشا” وغيرهما، (وقيل: بأنّ الشيخ محمد السعيد هو صاحب فكرة تأسيس هذه الجماعة ولكن بقي من بعيد). وكانت “هذه الجماعة” متخصصة في اغتيال المثقفين والفنانين والسياسيين، وبرع كوادرها في تزوير الوثائق،

أول استهداف لشخصية كبيرة

الجيلالي اليابس

وكانت أوّل عملية قامت بها هذه الجماعة هي اغتيالها للأستاذ “الجيلالي اليابس” في 15 مارس 1993 وقد كان أستاذا لعلم الاجتماع في جامعة الجزائر، ورئيس المركز الوطني للدراسات الإستراتيجية العالمية، وكانت هذه العملية هي أوّل عملية من هذا القبيل ومن ذلك الحين أصبح يُطلق على هذه الجماعة اسم “جماعة اليابس” نسبة إلى هذه العملية،

وبعد ذلك بأربعة وعشرين ساعة أي يوم 16 مارس تمّ استهداف الدكتور “الهادي فليسي” طبيب وكاتب وعضو في المجلس الاستشاري الوطني، تمّ استهدافه في عيادته في القصبة، وتوالت الأيام وأصبحت هذه السنة هي سنة الاغتيالات إذ اجتهدت الجماعات المسلحة على اختلاف أنواعها في إثبات وجودها بتحقيق ذلك، فكان أن سقط “الطاهر جعوت” في 26 ماي وهو كاتب وشاعر، و”محفوظ بوسبسي” في 15 جوان وهو طبيب نفساني معروف عالميا، وكان لدى اغتياله مكلفا برئاسة لجنة كشف حقيقة مقتل “الطاهر جعوت” وفي 22 جوان تمّ اغتيال محمد بوخبزة وهو “عالم اجتماع ومدير المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية الدولية وعضو في المجلس الاستشاري الوطني”

الصحفي رابح زناتي

بعد هذا وفي بداية شهر أوت وبالضبط يوم 3 منه تمّ استهداف أوّل صحافي وهو “رابح زناتي” وفي 9 من نفس الشهر تم استهداف صحافي آخر هو “عبد الحميد بنمني” وبعد هذا توالت عمليات استهداف الصحافيين كاستهدافهم سعد بختاوي في 11 سبتمبر، و”عبد الرحمان شرغو” في 28 سبتمبر “كاتب وصحفي” وفي 30 سبتمبر تم استهداف “حمبلي أحمد” وهو”أستاذ جامعي” وبعدها بخمسة أيام أي يوم 5 أكتوبر تم اغتيال اثنين في نفس اليوم وهما”رابح غوينزت” “كاتب وأستاذ فلسفة” و”جمال بوهيدل”صحافي” وبعده بخمسة أيام أيضا تم استهداف “الجيلالي بلخنشير” أستاذ جامعي اغتيل في 10 أكتوبر، ومصطفى عبادة “صحافي” في 14 أكتوبر، وإسماعيل يفصح “صحافي” في 18 أكتوبر، هذه قائمة أولية لبداية عملية الاغتيالات وكلّ هذه العمليات وقعت سنة 1993 وفيها ردّ على هؤلاء الذين يقولون بأنّ الجماعة كانت في أيامها الأولى في الطريق السليم وأنّ بداية زيغها تزامن مع تولّي جمال زيتوني الإمارة وهذا خطأ، فعملية القتل في الجزائر ظهرت مع أوّل ظهور للعمل المسلح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى